مقالات رئيس المجلس


معجم الاسماء العربية

قاموس عربي إنكليزي


كلمات القاموس: 88342
مرات الترجمة: 7440
اخر ترجمة: مرحبا

الكلمة: Chinned
معناها: مذقّن



الأهداف والنظام الداخلي لـ (مكتب الإدعاء العام الشعبي)



(موقع مرافئ)... ملف منوع عن يوم السلام العالمي

مرافىء: وجهات في النظر

 

تشكل الوعي الاجتماعي للطلبة والشباب
 

 
 

د.سلام حربه .. الوعي هو منظومة القيم الفكرية والعلمية والثقافية والاخلاقية والجمالية التي تتشكل لدى الانسان من خلال تعامله مع الواقع، والوعي موقف هذا الانسان تجاه ما يحصل في الطبيعة والعالم من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وهو الذي يحدد هوية المواطن ويرسم ملامحه الذاتية والموضوعية وعلاقته بالوطن والآخرين.. الوعي يختلف من شخص الى آخر، وهو لا يتشكل دفعة واحدة بل بتطور تاريخي وضمن ظرف زمكاني، ويجب توفر آليات وممكنات لدى هذا الفرد من أجل تنمية وعيه والارتقاء به نحو التكامل والسمو. إن من أول العوامل الأساسية لتشكّل الوعي الاجتماعي، هو البيئة التي يترعرع فيها الفرد، شكل المكان الذي ولد فيه ونما وتعلم النطق وتهجّى حروف العلم وتنفس حريته وترابه، وكيف أن هذا المكان حافظ على ذاكرة هذا الفرد، لأن المعلوم أن هذه الذاكرة تحتفظ ما تختزنه من احداث طفولة سواء بشكل المكان أو الأحداث الزمنية التي وعيها وكان شاهداً عليها وتركت آثارها المهمة في شخصيته وبقيت عالقة في ذهنه لا تفارقه حتى مماته، إن هذا الواقع أو البيئة المتحركة مهمة جداً في وضع اللبنة الأولى لهذا الوعي الذي سوف يرافق الانسان كل مراحل حياته، هذه البيئة ترتبط بشكل مباشر مع طبيعة النظام السياسي الذي يحكم البلد، فكلما كان النظام شفافاً ويتوفر على بنى اقتصادية وسياسية راسخة وقطاعاته منتجة توفر حاجات المواطن وفيه مناهج بناء علمية ومفاهيم عدالة اجتماعية ويطلق طاقات الإبداع في الفن والخيال والبحث والجمال، كلما كان الواقع سليماً، لأن النظام السياسي الناجح يعمل على الحفاظ على الواقع وتطويره والانتقال به الى حالة خلاقة جديدة دون العبث به وتهديمه، في سياق الأمكنة يجب الأخذ بنظر الاعتبار القيمة التاريخية والراهنة لهذا الواقع، بحيث تعمل الاجهزة الحكومية بالحفاظ على كل الدلالات والمعالم للأمكنة مع تطويرها عمرانياً وحضارياً دون المساس ببناها القيمية والمعرفية، لأن الأمكنة لها روح تأريخية كما يقول المفكر الفرنسي باشلار، هذه الروح تسري في أجساد شاغليها وفي حال العبث بها، فإنها ستنقطع وتموت وتندثر، وهذا ما نلاحظه في العراق، حيث أن معظم الصروح التاريخية قد تمّ العبث بها وتغيرت ملامحها وتم وجرفها، وهذا ما تسبب بغربة الانسان على هذه الأرض لأنها قطعت المشيمة التي تربطه برحمها، ولذا نجد العراقي أقل التصاقاً بوطنه من كل شعوب الأرض، وهذا ما يدفعه الى الهجرة دون الالتفات الى الوراء لأنه ليس لديه ما يخسره، فالواقع متغير ودائماً ما يجنح نحو التراجع والضمور. ولذلك نجد أن الكثير من العراقيين الذين كانوا يعيشون في الغربة قبل ثلاثين أو أربعين سنة وحين حصل التغيير بعد الاحتلال الامريكي عام 2003 والتخلص من النظام الدكتاتوري السابق وتحقق الحلم لديهم بالعودة الى البلد صدموا حين رأوا أن الواقع قد تغيّر وماكان محفوظاً في الذاكرة من تراب وحجارة ووجوه وأسماء وطن لم يعد لها من وجود، فشعروا بالغربة منذ الأيام الأولى، وعادوا من حيث أتوا يجرون وراءهم الخيبة والمرارة.. إن الحفاظ على الواقع بكل أمكنته وتطويره ضمن النسق العلمي حفاظاً على الانسان ملتصقاً بتربة هذا الوطن، وسعادة هذا المواطن ستكون كبيرة حين يشعر بأن عالمه هذا لا يزال قائماً وهو يتوهج يومياً بالإبداع والخلق، وحين يبقى هذا المكان يحمل بصمات الماضي والحاضر واسشرافات المستقبل.. إن الحفاظ على بنية المكان يعني الحفاظ على الأفكار التي تنسجم معه وتديم تطوره والتي لا تكون غريبة وهجينة عنه، فحين يكون الواقع راسخاً ومرتكزاته وبناه مؤسسة بشكل علمي، فإنه يكون منتجاً للأفكار والقيم والعلاقات الجديدة، وهذا ما لمسه العراقي في منتصف القرن الماضي وستينياته، حيث أن الحياة العراقية كانت إنموذجاً يقتدى به في المنطقة العربية وحاولت الكثير من البلدان استنساخ التجربة العراقية، وكلنا يعرف ما حاولته الإمارات العربية المتحدة أن تقرن تطورها مع العراق، وأن تكون دبي نسخة حلمية عن بغداد ، التي شغلت الناس في تلك الفكرة بالحداثة التي ابتكرتها ليس في مجال الأدب والفن بل في كل مناحي الحياة في الطب والهندسة والعمارة والعلوم الانسانية والاجتماعية وفي شكل الحياة التي يعيشها العراقي وتزيينها بالقيم الجمالية والمعرفية لأن البنى المجتمعية التي شيّدت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 كانت سليمة، فالحياة كان يحكم الكثير من حلقاتها القانون والدستور والمقاييس العلمية والاخلاقية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والمنهج الذي اختطته الحكومات المتعاقبة، هو المنطق العلمي والتجريب في مناحي الحياة كافة، مع الاحتفاظ بكل عادات وتقاليد وطقوس هذا البلد، ولاننسى بأن العراق هو مهد للحضارات والأديان والقيم السماوية والوضعية. لقد كان من نتاج تلك المرحلة وعي اجتماعي حاد بخاصة عند الطلبة والشباب ساعده في ذلك الوقت شيوع الايديولوجيات الفكرية من ماركسية وقومية ودينية، وقد كان الصراع الجدلي بين هذه الافكار، بين قوى النور والظلام بين الحق والباطل بين الوجود والعدم عاملاً حاسماً في دفع عجلة البلد الى أمام وتسليح الشباب بالقيم الفكرية والانسانية، والتي ما زالت آثارها قائمةً حتّى لحظتنا هذه، فمن نتائج ذلك الزمن ( الذهبي ) إن معظم الأدباء والفنانين والعلماء والمفكرين الأحياء في زمننا هذا، قد أسسوا قواعدهم الابداعية من ذلك الزمن وحتى إن غادروا الحياة، فإن آثارهم الابداعية بقيت شاخصة حتى يومنا هذا دون أن يستطيع أحد من زمننا هذا تجاوزها، فذاك هو السياب بمنجزه الشعري والذي يعتبر عتبةً لا يمكن تخطيها، وذاك جواد سليم بريشته ومنحوتاته، ما زالت أعماله قبلة للزائرين، وذاك وعظ علي الوردي والذي اصبح سنّة حياتية ما زال علماء الحاضر في العراق وبلدان العرب والعالم ينهلون من كشوفاته الاجتماعية وتشخيصاته للمجتمعات والبيئة العراقية، اضف الى ذلك تلك الأسماء التي لا تحصى في مجالات العلوم كافة.. لقد ساهم الاحتدام الفكري الذي كان سائداً في القرن العشرين الى دفع المواطن الى تسليح نفسه ضد خصومه الفكريين، فازداد نهماً للبحث والقراءة حتى اعتبر العراقي إنموذجاً للقارئ، وكلنا يتذكر المقولة المشهور (مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ)، وهذا ما عمل الى تفتح وعيه السياسي والاجتماعي والثقافي، هذه الثقافة وهذا الانفتاح عمدا الى الإجابة عن كل الاسئلة الكونية التي يطرحها الواقع، فكان العراقي مسلحاً بالفلسفة والاقتصاد العلمي والأدب والفن واصناف العلوم، كان يبحث عن الحقيقة بشكل دائم ويلاحق العلم في كل نظرياته وكشوفاته على الرغم من فقر الإمكانات المادية والمختبرات العلمية وبؤس وبدائية وسائل الاتصال الاجتماعي في ذلك الزمان ، كان المنطق السائد في تلك الفترة هو المنطق العلمي المستند الى مبدأ الشك ونسبية الحقيقة، فكانت شخصيته هادئة ومنسجمة وعلاقات الفرد مع الآخرين يحكمها الشرف والمحبة والتسامح ومساعدة الواحد للآخر، وحتى في ممارسة هذا المواطن للواجبات والطقوس الدينية، فقد كان شفافاً وليس مغالياً وكانت علاقته برب العالمين خالصة نقية صافية تنم عن صفاء روحي لا يخالطها الرياء والدجل والنفاق الذي يظهر عليه الكثير من مؤمني هذه الأيام.. ما يلاحظ في العقود الاخيرة ومنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، تراجع في منسوب الوعي الاجتماعي لدى المواطن العراقي، وهذا يرجع بشكل رئيس الى السياسات الخاطئة التي سار عليها النظام الدكتاتوري السابق، كما أن الحروب التي افتعلها النظام منذ يومه الأول، ساهمت بتخريب كل البنى التي كانت راسية في السابق، كما دفعت العراقي الى التقوقع على نفسه وكان همّه الوحيد هو أن يبقى حيّاً، لأن الموت كان يحاصره من كل جانب دون أن يعنيه الفكر أو العلم أو الثقافة، لأن البلد وما عليه من جماد ومخلوقات أصبح مهدداً بوجوده، كما أن النظام البائد عمد الى تسخير كل العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين في ماكنته الاستبدادية وحروبه المجنونة ومن يرفض هذا التسخير، فإن نصيبه الموت والنفي والملاحقة حتى في الغربة. وهذا ما حصل من هجرة جماعية لكبار العقول الى الخارج والعيش بعيداً عن عيون وجواسيس نظام البعث، فخسر العراق خيرة عقوله، بالإضافة الى الفقدان اليومي للمبدعين من ملاحقتهم في الداخل وقتلهم وتجويعهم وتغييبهم في السجون.. إن هذا الوضع المأساوي للوعي الاجتماعي امتد الى ما بعد عام 2003، فقد كان العراقي مثقلاً بالانكسارات والجراحات والهزائم الاجتماعية والنفسية، كان يأمل العراقي بأنه سيجد الخير مع هذا الوضع الجديد بعد تخلصه من تلك الحقبة الكابوسية التي كانت جاثمة على صدره لأربعة عقود مضت، لكن ما حصل عليه هو الموت المجاني من قبل قوى الارهاب وتخريب حثيث لكل بنى البلد، فما كان قائماً تم سحقه سواء من قبل سياسيي الصدفة أو من قبل رموز الظلام، وهذا ما لمسه المواطن من تهديم مجنون لكل ذاكرة العراقيين وماضيهم وتحطيم كل الإرث التاريخي في نينوى وباقي مدن العراق من قبل داعش الموت والدمار..

 

 

الاديان الجديدة
 

 
 

سلام حربه .. تاريخ الأديان من تاريخ الإنسان.. لقد ظهرت الأديان منذ ظهور الإنسان على الأرض وقامت بتلبية الحاجات النفسية التي تدعم الإنسان في مواجهته لهذا الكون وتمدّه بالعون الروحي لمجابهة الأخطار المحدقة به.. لكل مجتمع دينه الخاص الذي يجترح منه شكل الإيمان بالخالق وطقوس العبادة ونوع العلاقة بين العبد والعبد، وبين العبد وربه، وحتى المجتمعات البسيطة في اطوار التاريخ الأولى والتي تعيش بمعزل عن الآخرين في بطون الصحارى أو أجواف الوديان، تمتلك أديانها الخاصة والتي غالباً ما تكون ابتكاراً إبداعياً لإنسان تلك المجتمعات يصوغها وفق طبيعته الجغرافية وشكل العادات وأنماط العيش والممارسات السحرية وثقافته التي ورثها عن آبائه وأجداده، كما أن طبيعة هذا الدين تتشكل من جملة الظواهر الطبيعية التي يصادفها ومن الأخطار التي يواجهها يومياً والخوف من الموت وما وراء الحياة وجملة التصورات المشكّلة عن طبيعة الخلق وحدود الفرد وسلطة الرب الغائب والحاضر في الظواهر الطبيعية، فيكون معتقده الديني انعكاساً لحاجاته النفسية والروحية والجسدية وطارداً لمخاوفه يمنحه الثبات والقوة من أجل البقاء والديمومة وتغيير هذا العالم.. لا يوجد دين بقي على حاله من لحظة تشكله الأولى، بل إنه في عرضة دائمة للتبدل والتحول البنيوي بسبب المستجدات الاجتماعية ومصالح القوى السياسية المتنفذة وتغير الظروف الزمكانية، وما أن تمضي بضعة قرون على هذا الدين، نجده يظهر بأثواب وحلل جديدة تختلط أسفاره الأولى ويقينياته المطلقة بعقائد وطقوس وبتفسيرات دلالية جديدة تنسجم مع التحولات العصرية واختلاف الظروف الموضوعية ودخول شعوب وجموع بشرية جديدة اليها.. ظهور الدين في بقعة ما من العالم وتبلوره كعقيدة تفرضها الرغبات النفسية والروحية، باعتبار أن فكرة الدين نفسية بالأساس، والحاجات الاجتماعية والسياسية الملحة، هذا الظهور غالباً ما يكون بطابع حداثوي جديد وهو غالباً ما يكون ثورة، في زمانه، على الافكار والعقائد الخرافية والاسطورية وخطابه الأولي مبهراً ومقنعاً ولديه القدرة على التمثل وترصين الذات وتوحيدها مع الذات الخالقة العليا، ولذلك نجد أن المجتمعات تندفع بكل طاقتها من اجل امتلاك الدين وجعله هوية تكوينية فردية واجتماعية، لما يحمل من بشائر خلاص ونجاة ، والعمل من قبل الافراد والاقوام على هضم نصوصه المقدسة وممارسة طقوسه والتبشير بحقائقه بقوة .. اديان المجتمعات الأرضية القديمة المختلفة لم تمت وبقيت كنصوص وافكار وطقوس قائمة حاول كهنتها، وبخاصة بعد ظهور الاديان السماوية، إذابتها في الدين الوافد السماوي الجديد وهي لم تدخل كنصوص مضافة، ولكنها أُقحمت كتآويل وتناصات على النص الالهي لتصبح، بعد زمن، حقائق هي أيضاً لا مجال لدحضها، وتبدو بتصاهرها الثقافي أدياناً جديدة تحمل في طياتها قصص الانسان القديم الخارق على الأرض وتعاليم السماء والهها الواحد.. هذه الأديان الجديدة هي خليط من العبادات المتداخلة، هذا الأمر حصل عبر التاريخ البشري، حيث أن شعوباً لديها اديانها الخاصة صهرت ما فطرت عليه منذ نشأتها الأولى، وما وفد إليها من اديان وضعية قديمة كانت سائدة في الشرق الأوسط أو في جنوب شرق آسيا أو في اوربا أو في شبه القارة الهندية .. لا يوجد دين اليوم يحتفظ بلحظة نقاء نزوله الأولى، وإن وجد مثل هذا الدين في زمن ما، فإن الدراسات والبحوث الفقهية، خاصة إذا كان الفقهاء من قوم غير القوم الأصلي الذي وجد فيه هذا الدين، تعاملت مع نصوصه وفق ثقافتها وتربيتها الخاصة وطبيعة العقائد الدينية التي كانت تحملها، فنراها تضّمن النصوص الدينية دلالات ومعاني من خزين ثقافاتها وصورها الدينية الآيلة للانحسار، تخرجه عن رسالاته الأولى واسباب نزوله التاريخية ليكون بذلك ديناً عصرياً يحاول أن يرضي المؤمنين به من اقوامه الأصلية والأقوام الملتحقة به، وتظهر طقوس وعقائد ونزعات دينية ربما تخالف الطبيعة البنيوية لهذا الدين السماوي وتحرفه عن الرسالة التي يبشر بها والتي تحمل قي طياتها الخلاص من الشرك ومن وثنية ومعاصي الديانات الأخرى.. انفتاح المجتمعات على بعض في زمن العولمة من خلال الثورة العلمية التكنولوجية والتطور المذهل في عالم الاتصالات سواء ما يخص البث الصوري والأقمار الصناعية والقنوات الفضائية وارتباط البشر في حلقات التواصل الاجتماعي وتقنياتها المتعددة وسهولة الحصول على المعلومة، جعل من ثقافات العالم المختلفة في مواجهة بعض ومن الأديان في حوار وصراع دائمين، ولم يعد الايمان الحالي عند الفرد كالإيمان السابق، بل إنه تداخل مع ما يؤمن به الآخرون من الديانات المتعددة، وحتى التأويلات السابقة لنصوص أي دين اختلفت في الزمن الحديث، لأن الفقيه الباحث وعالم الدين والشيخ تنوعت مصادرهم الثقافية وتزحزحت قناعاتهم بسبب الكشوف العلمية والدراسات الجديدة في ما يخص الكون والإنسان واطوار خلقهما والتي ربما تتعارض مع اسفار الخلق الذي بشرت به الاديان كافة وبخاصة السماوية منها.. الاديان السماوية وخاصة الديانتين المسيحية والاسلامية، تعرضت الى كثير من الاختراقات من قبل الاديان الوضعية الأخرى وحتى الديانة اليهودية، المنغلقة على نفسها ولا يوجد تبشير لديها ولا تسمح الانتساب لغير القومية اليهودية، فقد نفذت إليها الافكار والأساطير والملاحم البابلية وقصص وحكايات الأقوام الشرقية ومآثر القادة والملوك والتي اصبحت فيما بعد، العمود الفقري لهذه الديانة .. في أزمنة الحروب والدعوات الدينية التوسعية وحملات التبشير، تم فرض الأديان السماوية على المجتمعات المُحتلة سواء بالترغيب أو الترهيب، لم ترم هذه المجتمعات التي كانت تؤمن بالديانات الأرضية السابقة اسلحتها وافكارها وعقائدها الدينية حين اقتحمت الديانات السماوية محاريبها بل حاولت تضمين، ما كانت تؤمن به وما تمارس من طقوس وما تحفظ كتبها الدينية من قصص واساطير وملاحم وسير ومواعظ واقوال مقدسة لخالقي هذه الاديان (بوذا ، زرادشت،كونفوشيوس، مردوخ ، و..و..)، ضمن الحياة الدينية الجديدة التي وفرتها الاديان السماوية، فظهرت الطقوس المتنوعة والعادات الدينية الغريبة وتشظت الأديان الى فرق ومذاهب وطوائف متعددة وكل واحد منها لا يلتقي مع الآخرين والخيوط الإيمانية فيما بينهما تكاد تكون واهنة وضعيفة، بل إن نقاط الاختلاف اكثر من الالتقاء، وهذا ما تسبب في الحروب الدينية والكراهية والعنف بين ابناء الشعب الواحد المختلف في ايمانه المذهبي والديني، كل فرقة أو مذهب أو طائفة تعتقد بانها هي الحق والآخرون باطل، وحتى تحافظ هذه التفرعات الدينية على نفسها، حا

 

 

مصادر تمويل القانون بين مجلس النوّاب وقرارات المحكمة الاتحادية العليا
 

 
 

سالم روضان .. يُعد القانون وسيلة السلطة القابضة على أمور البلاد بما فيها السلطة التشريعية، لأن الحكومات أو الجهات المسيطرة على البلاد تلجأ إلى تشريع القوانين لتحويل سياساتها إلى قوانين سواء كانت تلك السياسات قد أعلنتها أو تبنتها في برامجها الانتخابية أو السياسية. لذلك فإن تشريع القوانين من أهمّ الوسائل لتحقيق تلك البرامج أو السياسات المعلنة للحكومات، ولابد أن يكون القانون بمستوى يؤهله للقبول العام من عامة الشعب وإلا أتى بنتائج عكسية قد تزعزع ثقة الجمهور بالسلطة القائمة أو ربما تؤدي إلى زعزعة الأمن في البلاد. والشواهد كثيرة على ذلك عندما تصدر القوانين وتُجابه باحتجاجات شعبية، نجد إن السلطة تعود فتعطل تنفيذها أو تقوم بإلغائها، ويقول الفيلسوف (ادموند بيرك) بأن القوانين السيئة أسوأ انواع الطغيان، لذلك اهتم المختصون في الصياغة التشريعية كثيراً بأمور صياغة القانون والسعي لإصداره بأفضل صورة تحقق الغرض من تشريعه. وتكاد تكون أهمّ معضلة يواجهها القانون بعد صدوره هو عدم قدرة الجهات التنفيذية على تنفيذ أحكامه، لأن موارد تلك الجهات غير قادرة على استيعاب الآثار التي رتبها القانون مثال ذلك صدور قانون يمنح بعض المزايا المالية لشريحة من الشعب لأسباب تتعلق بتضحيات تلك الشريحة أو لأنها بحاجة إلى دعم لكونها تتعلق باحتياجات خاصة مثل رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن ذلك القانون لم يتعد أثره مكاتب المسؤول مما يؤثر سلباً في الفئة المستهدفة ويأتي بنتائج عكسية. لذلك انصب الاهتمام على معالجة هذه الأوضاع عند مرحلة تشريع القانون وقبل صيرورته نافذاً، وظهرت نظريات في علم الصياغة التشريعية الحديثة تدعوا إلى أن يتولى المشرع تحديد كيفية تمويل القانون بعد نفاذه، بمعنى رسم آلية دعم وسائل القانون في تمويل النشاط الذي يسعى إليه حتى يتجنب معضلة صدوره وعدم القدرة على تنفيذه. لذلك نجد الكثير من القوانين أصبحت تتضمن مصادر التمويل، مثال ذلك التعويض عن حوادث المركبات ضد الأشخاص، حيث أشار قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات رقم 52 لسنة 1980 المعدل إلى بيان مصادر تمويل القانون عند التعويض، إذ جعل نسبة تضاف على سعر لتر الوقود تستوفى عند شرائه وترسل إلى شركة التأمين المختصة وعلى وفق ما جاء في الفقرة (أولاً) من المادة (4) التي جاء فيها الآتي (أولاً: يستوفى قسط التأمين الإلزامي على المركبات بنسبة (0.003) ثلاثة بالألف من مجموع مبالغ المبيعات الفعلية لشركة توزيع المنتجات النفطية من البنزين وزيت الغاز عدا المجهّز إلى وزارة الكهرباء، وتودع المبالغ لدى الشركة لحين توزيعها). كذلك عندما يسمح القانون بأن تكون مصادر تمويله من الهبات والتبرعات أو من بدلات اشتراك الأشخاص المعنيين به. مثال ذلك قانون صندوق تقاعد المحامين رقم 56 لسنة 1981 المعدل الذي حدد مصادر التمويل في الفقرة (1) من المادة (5) وعلى وفق الآتي (تتألف موارد الصندوق من المصادر الآتية: ا– بدلات اشتراك المحامين المسجلين في جدول المحامين. ب – الطوابع الخاصة بالصندوق . جـ - الدخل الناجم عن استثمار أموال الصندوق. د – 10 % من الأتعاب التي تدفع للمحامي عند توكيله في الدعوى التي تنسبها له لجنة توزيع الدعاوى بموجب قانون المحاماة . هـ - الهبات والوصايا للصندوق). لذلك لم نسمع عن توقف تلك الصناديق عن العمل يوماً مهما تعرض البلد إلى أزمات مالية، لأن المشرع حدد تلك المصادر ابتداءً ولم يقصرها على الموازنة العامة للبلد. ومن خلال ما تقدّم فإن السياسة التشريعية في العراق ما زالت قاصرةً عن معالجة مصادر تمويل القانون ولم تأخذ بالاتجاهات الحديثة للصياغة التشريعية، وما زالت تعمل بالأسلوب القديم بنقل كل الأعباء المالية إلى الدولة، مما يؤدي إلى تعاظم الضرر عندما تعطل القوانين وتصبح غير قادرة على تحقيق أهدافها، لذلك نجد إن مجلس النواب يشرع القوانين بمنح امتيازات مالية لشريحة معينة من الشعب دون الرجوع إلى الحكومة مع أنه يحملها مسؤولية الإنفاق بموجب ذلك القانون، من دون مراعاة مقدار حجم وارداتها المالية أو نسبة العجز المالي لديها في الموازنة العامة، مما دعا الحكومة إلى الطعن بعدم دستورية عدة قوانين، لأنها صدرت بموجب مقترحات من أعضاء مجلس النواب من دون أن تعرض على الحكومة او أخذ الرأي حول الأعباء المالية التي تتحملها، فأدى إلى صدور أحكام عدّة من المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية تلك القوانين. فإذا استمر العمل بهذه الوتيرة سوف لن ينفذ أي قانون مما سيؤدي إلى نتائج عكسية على الصالح العام، لأن تشريع أي قانون دون تحديد مصادر تمويله وطرق جبايتها إذا كانت من خارج الموازنة أو الاعتماد على مقدار الأموال التي تتوفر في الموازنة العامة من خلال بيان رأي الحكومة، سوف لن يمكّن ذلك القانون من النفاذ أو التطبيق، وسيؤدي حتماً إلى الحكم بعدم دستورية القوانين التي تصدر بهذا المآل عند الطعن بعدم دستوريتها أمام المحكمة الاتحادية العليا. أتمنى أن تكون هذه الالتفاتة محل عناية السلطة التشريعية أو الجهات التي تتولى الصياغة التشريعية. قاضي و نائب رئيس استئناف بغداد

 

 

اقتراح تعديل قانون الأحوال الشخصية.. شرعنة لعراق منقسم
 

 
 

هادي عزيز .. لا ينفك الاسلام السياسي في الابتعاد عن الدولة المدنية حتى ولو كانت تلك الدولة مجرد ملامح، من خلال السعي لتأصيل الطائفية التي نتجرع مرارتها يومياً العازمة على تدمير ماتبقى من الوطن من خلال الممارسات المتنوعة النازعة نحو الخروج من المواطنة والارتماء في حضن الهوية الجزئية. ولعلّ التشريع هو أحد الوسائل المستخدمة من قبلهم للوصول الى اهدافهم. وآخر الممارسات تلك، هو عرض مشروع لتعديل قانون الأحوال الشخصية على مجلس النواب من أجل تشريعه، ليس لأنهم متيّمون بحب الطائفة أو مدفوعون بالحرص عليها، بل لأن استعمالهم لها يقرّبهم من تحقيق المصالح الخاصة مع قرب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية التي تلوح في الأفق، وشحذ الهمم مطلوب لذلك الاستحقاق حتى لو تم ركوب مركب الطائفية من أجل تحقيق ذلك. المشروع في مادته الأولى أجاز للمسلم تقديم طلب الى محكمة الأحوال الشخصية من اجل تطبيق الأحكام الشرعية لمذهبه بدلاً من أحكام القانون، وهذا النص يعني أن الدولة تحكمها الأحكام الشرعية للمذاهب الاسلامية بديلاً عن حكم القانون، أي أن الأحكام الشرعية تملك العلوية على النص القانوني، ولم يعد القانون يعرّف بأنه: (مجموعة القواعد العامة المجردة الملزمة والتي يلزم مخالفها الجزاء)، بل أن الأمر لديهم يتخذ من القاعدة الفقهية بديلاً عن القاعدة القانونية. وبذلك فإن بإمكان أي شخص مسلم أن يقول لقاضي الاحوال الشخصية، إن قانون دولتك لا يلزمني ما دامت احكام مذهبي هي الأعلى، وبعبارة أخرى، فإنه لم تعد السيادة للقانون الذي اشترطته المادة (5) من الدستور. لذا فإن المشروع لم يلغ احكام القانون فحسب، بل إنه يعطل الأحكام الدستورية. ما يعده قانون الأحوال الشخصية جريمة يعاقب عليها القانون، وهو الزواج خارج المحكمة (المادة العاشرة / 5 من قانون الأحوال الشخصية) الذي يتم على أيدي رجال دين، ورجال الدين هؤلاء اتخذوا من ابرام عقود الزواج وسيلة للاسترزاق فتحت من أجلها دكاكينهم القريبة عادةً من مواقع محاكم الأحوال الشخصية التي لا علاقة لها بالدين وأحكامه. وجاء المشروع الجديد ليحوّل جريمة الزواج خارج المحكمة الى فعل مباح، وزيادة في الإباحة يمنح رجال الدين سلطة ابرام عقود الزواج، وأحاط عملهم بالتبجيل ومنحهم رتبة الفقيه، وبذلك ينقل تنظيم عقود الزواج وابرامها من سلطة القانون المتمثلة بسلطة محكمة الأحوال الشخصية وتحت نصوص القانون وانظمته، الى رجل الدين والسلطات الممنوحة له بموجب احكام المشروع الجديد. الملاحظ أن العديد من الأحكام القضائية لم تصادق على عقود الزواج المبرمة لديهم لكون إبرامها تمّ على يد رجل تعوزه المعرفة بأحكام الشريعة الاسلامية، الأمر الذي تطلب استدعاءهم الى المحكمة – في العديد من الدعاوى - وإدخالهم في الدعوى بصفة شهود واستجوابهم بهذه الصفة وليس بصفة رجال دين. العراقيون غير متساوين أمام القانون بموجب هذا المشروع، لأن ما تتضمنه احكام المذهب الجعفري تخالف العديد من الأحكام التي تتضمنها المذاهب السنية، فعلى سبيل المثال، أن المذهب الجعفري يجيز زواج البنت التي تبلغ التسع سنوات من العمر، في حين أن المذهب الحنفي يشترط سبع عشرة سنة لها، والأمر كذلك بالنسبة للحرمة من الرضاعة، فعند الأحناف تنشر الحرمة برضعة واحدة، في حين أن الجعفرية تشترط خمس عشرة رضعة متواصلة، ولو اعتمدت هذه الأحكام الشرعية لدى محاكم الأحوال الشخصية، فإن ما يعد حراماً لدى الجعفرية يكون مباحاً لدى الأحناف والعكس جائز، فلو افترضنا أن جعفرياً تزوج من بنت رضع معها عشر رضعات، فالزواج جائز لأن الأحكام الشرعية حسب المذهب الجعفري لا تعد تلك الرضعات اختاً له في الرضاعة لا شرعاً ولا قانوناً حسب المشروع الجديد، ولكن إذا شخص من الأحناف تزوج من بنت رضع معها رضعة واحدة، فإن ذلك محرم شرعاً لديهم ويعد زنا بالمحارم حسب مشروع القانون الجديد، وبالإمكان رفع شكوى ضده لزنا المحارم. وبهذا المشروع نجعل من قانون العقوبات يفرض على البعض من العراقيين دون البعض الآخر، أي تجزئة وحدة العقاب لينطبق على البعض دون الآخر للفعل ذاته، وهكذا يوصلنا المشروع الى أننا لسنا متساويين أمام القانون، وهذا يعني أن المشروع يعطل احكام المادة 14 من الدستور التي تنص على: (العراقيون متساوون أمام القانون...).

 

 

داعش والالحاد
 

 
 

يبدو أن قانون (لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه) لا يشمل الفيزياء وحقولها المادية فقط، بل أن تطبيقه هذه الأيام يتجسد في الجانب الديني، وقد اثبت نجاحه وبخاصة في هذه السنين التي صعد بها نجم الإسلام السياسي المتطرف المتمثل بالقاعدة والفصائل الجهادية وصولاً الى داعش التي تصول وتجول هذه الأيام وخيوط الدم وراءها في كل بقاع العالم.. إن خطاب داعش المتطرف، وباسم الاسلام، وما ترتكبه من قتل واغتيالات وتفجيرات ومسلسلات دم لها أول وليس لها من آخر، في العراق وسوريا، حيث اشتُقَ اسمها من هذين البلدين وفي بعض البلدان الاسلامية والاوربية، هذا التعطش للدم قد خلق حالة من الذعر ليس في العالم الاسلامي بل في كل مدن العالم الأخرى، مسيحية كانت أم ديانتها أرضية لا سماوية أم مجتمعات لا دينية.. المصيبة أن حجة داعش في فتكها بالآخرين وتخريبها للمدن فقهية تستند مرجعيتها الى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية بتأويل تلك النصوص بما ينسجم مع سياساتها العدوانية واعمالها الاجرامية..ما قامت به داعش اقشعرت له اجساد البلدان، فلم ينج منها الانسان ولا الحيوان ولا الحجر، وامتدت يدها الى التاريخ والحاضر والمستقبل، واعتبرت كل ما خطّه الانسان وما تركه من إرث حضاري وعلمي ومعرفي جاهليا معادياً للإسلام يجب اجتثاثه وقلعه من عروقه، هذه الأعمال تركت ردة فعل عنيفة لدى الجمهور المسلم، واسقطت داعش مفهوم الاسلام المتسامح ورسالته الانسانية وعناوينه الروحية وحولته الى اسلام عصابي يمتهن القتل ويحمل في خطابه كراهية الآخرين والعدوانية التي تجيز القتل والسبي والتهجير وفرض الجزية على الديانات الأخرى واجبار اتباعها على اعتناق الدين الاسلامي بنسخته الداعشية..لقد ظهرت داعش وأزمتها الفكرية في زمن الثورة العلمية التكنولوجية التي تجتاح العالم، لقد رافق خطاب داعش المتخلف ودعوتها الى إرجاع العالم الى عصر صدر الاسلام الأول بكل قيمه وقياساته وأفكاره وسلوكياته ضرباً من الجنون والفنتازيا، بخاصة أن المجتمعات الغربية تعيش في زمن الاكتشافات الخارقة والتي تقترب من الغرائبية والخيال العلمي الفائق وانتقال لهذه المجتمعات الى مستويات فوق حضارية رافقها تطور مذهل في وسائل اتصال البشر من اجهزة حكي الى منظومة عنكبوتية فائقة التطور للانترنت وتقدم يومي مذهل لوسائل الاتصال الاجتماعي من فيس بوك ويوتيوب وتويتر وانستغرام وووو ...العالم اصبح بفضل هذه التقنيات قرية صغيرة، موجات العلم وفتوحاته انتقلت الى العالم الاسلامي، لأن السوق الاقتصادية واحدة واصبح المواطن هنا جالساً وبضغطات زر في حاسبته أو هاتفه الخلوي، يمتلك كل هذه الاختراعات، وبإمكانه أن يزور أي بلد ويتعرف على ثقافاته وتاريخه وحاضره وأديانه وجغرافيته وعادات ابنائه وتقاليدهم ويتحاور مع من يريد التحاور معه، لا يكلفه ذلك سوى تعلم تقنيات الاتصال ليكون فرداً كونياً فاعلاً، يستطيع أن يبدي رأيه في اية قضية كانت سياسية أو اجتماعية أو اخلاقية أو ثقافية وقد يستحوذ على اهتمام البشر في اقطاب الأرض الأربعة، ويكون له اتباع ومعجبون وحتى مريدون إن كان بممكنات عقلية فائقة، لا حاجة لديه لإملاءات الآخرين، وخاصة اذا كانوا رجال دين ولا الى توجيهاتهم بعد أن تسلح بالعدد المعرفية التي جمعها من سياحته الالكترونية، واصبح له رأي حر يجادل به أهل الفكر ويفند أي رأي أو قضية لا يؤمن بها.. الصراع الموجود اليوم بين عالمين متناقضين متخلف ومتحضر، بين الظلام والنور بين الحاضر المبشر بمستقبل سعيد وبين ماضٍ لا يحمل بين طياته إلا الحروب والتاريخ الأصفر والأفكار السلفية التي أكل الدهر عليها وشرب والتي لا تجلب للمجتمعات الا الويلات والفواجع ، الغرب هناك يصنع كل شيء من الغذاء الى كل متطلبات الانسان وحتى الاديان والايمان والطقوس فإنها مزدهرة ويمارس بشرها المؤمن، رغم استفحال ظاهرة الالحاد عندهم ومنذ عقود، عباداتهم بكل حرية وشفافية، ومجتمعاتنا الاسلامية هنا تبتكر ابشع وسائل الموت ويحرّم العلم وتتفشى الأمية، وبدلاً من تطويع النصوص القرآنية والسنة النبوية وجعلها تنسجم مع حركة تطور المجتمعات، فقد تم غلق كل النوافذ التي تتنفس الحرية وحصرها بنافذة لا تدخل منها إلا رياح التعصب والهمجية والانحطاط ..

 

 

ما بعد اتفاق نصر الله
 

 
 

سليم سوزة .. يفاوض زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله داعش في لبنان، في حين نغرق نحن في العراق في سجال عقيم حول أهمية هذه الخطوة من عدمها. باعتقادي، المشكلة ليست في التفاوض لأنها بالنهاية قضية سياسية يقدّم فيها رجل سياسي مصلحة حزبه وبلده ومحوره الأقليمي السياسي على أي شيء آخر ، المشكلة في نصرالله ذاته. فالكارهون له سيجدون ألف سبب لتخطئة خطوته هذه، فيما سيقتل محبوه أنفسهم للدفاع عنها، ووسط هذا السجال العقيم تضيع فرصة مهمة لفهم هذا الحدث وتحليله ضمن سياق المصالح والمصالح المتبادلة. لم يكن حزب الله ليفاوض داعش من أجل استرداد عدد قليل من أسراه أو قتلاه، كما فهم بعض المراقبين ليعيّروه بها ، وإنما كان هدفه إخراج مسلحي داعش من الأراضي اللبنانية بأيّ ثمن ، والدفع بهم الى الحدود الشرقية السورية. وتلك لعمري مصلحة كبيرة للحزب طالما استنزف مقاتلو نصرالله الكثير من قواهم ومواردهم في مواجهة داعش طوال الثلاث سنوات الأخيرة. ثم أن الحزب دفع بمقاتلي داعش الى منطقة دير الزور السورية ، وهي منطقة يسيطر على أجوائها الطيران الأمريكي. هو بهذا يشغل عدواً بعدوٍ آخر ليس إلّا. ليست هذه الخطوة في صالح العراق قطعاً لأنها جلبت إمداداً جديداً لداعش المختنقة أصلاً في العراق، ومن حق العراقيين ان تكون لهم ردة فعلهم العنيفة ضدها، خصوصاً أن من صنع هذا الاتفاق كان قبل سنتين يرفضها من العراق ويطلب ألّا تُفتَح ممرات آمنة للداعشيين أن يهربوا لسوريا. كان يريد قتلهم وسحقهم داخل الأراضي العراقية نفسها. في سجال المؤيدين والرافضين، تغيب حقيقة المصالح هنا، وهي أن السياسة لعبة مصالحية قد يستفيد طرف من حدثٍ ما أو صفقة معينة فيما يتضرر طرفٌ آخر أحياناً. هذا أمر منطقي. ما ليس بمنطقي، خروج هذا السجال من دائرة المصالح الى دائرة الأخلاق، فالفريقان يناقشان الحدث نقاشاً أخلاقياً وليس سياسياً. فريق يعيب على الاتفاق بوصفه اتفاقاً غير أخلاقي، طالما فعل نصرالله اليوم ما كان يرفضه على العراقيين بالأمس ، والفريق الآخر يبرر أخلاقياً لهذا الاتفاق بكونه لم يجلب مقاتلي داعش الى الأراضي العراقية وإنما داخل سوريا حتى الآن. وبين ثنايا هذا السجال، تستخدم كل أسلحة الخلط والمقارنات المغلوطة فينتقي كل من الفريقين بعناية تامة أحداثاً ومواقف حدثت سابقاً ليقوي بها موقفه، ذلك الموقف الذي لا علاقة له بالحدث بشكل مباشر وإنما بالموقف الأيديولوجي الذي يحمله كل منهما تجاه الآخر. هو سجال إيديولوجي بحت، وليس نقاش عرسال سوى تمظهر من تمظهراته اللغوية. ليس علينا تقييم الاتفاق أخلاقياً ، فلا حاكمية للأخلاق على السياسة. المصلحة هي أهم محرك من محركات السياسة، وما دام قد رأى نصرالله أن هذا الاتفاق لمصلحة بلده، علينا إرجاع الجدل لسياقه السياسي وتقييمه وفقاً لمصلحة العراق، وأي تقييم أخلاقي للحدث سيكشف لنا اللّامفكر فيه في اعتقاد المرء ، وهو أنه لم يكن يوماً ينظر لنصرالله أنه سياسي ليحلّل مواقفه وسلوكياته وقراراته، وإنما "معصوم" تحرّكه قوة ملهمة خفية مهمتها أخلاقية قبل أن تكون سياسية مصلحية، وبهذا يُصدَم كيف لهذا "المعصوم" أن يتفق هنا ويرفض هناك!

 

 

من الذي يقسم البلاد ؟؟
 

 
 

مهند البراك .. تغيّرت منطقتنا منذ: سقوط الدكتاتورية، الاحتلال الأميركي للعراق وتوالي الهيجانات الجماهيرية في المنطقة ضد دكتاتوريات كانت قائمة بشكل اصمّ، في (الربيع العربي) حين هتفت الجماهير لـ " الخبز و الحرية و العدالة الاجتماعية " و هتفت لقبول الآخر و لإنهاء العنف، فيما بدأت اقطاب و موازين المنطقة تتغيّر. نعم، سقطت دكتاتوريات، الاّ أن الاوضاع التي كانت تئن منها الأوساط الكادحة الغفيرة استمرت و تفاقمت في المنطقة اثر تناقلها في دولها، واستمر العنف وازداد بشكل هائل وأخذ يظهر بأشكال اكثر خطورة من السابق، في كيانات تسعى لتشكيل دول جديدة تحت راية الفتن الدينية والطائفية التي تستفز فتناً مقابلة، كانت في عداد ماضٍ قاسٍ لم يترحّم عليه أحد، في عالم يشهد تغيّرات و اختراعات مذهلة تتواصل بلا توقف. سقطت الدكتاتورية في بلادنا وبدأت الجماهير وقواها التي ناضلت لإسقاط الدكتاتورية تتطلّع الى حكم مؤسسات دستورية، و كما لُوّح لها وأُشبعت بالوعود اثر اسقاطها الفعلي بحرب خارجية، الاّ أن البناء الخاطئ الجديد الذي أُقيم على اساس المحاصصة الطائفية والعرقية، ادىّ الى تبني من صُعّدوا الى دست الحكم للطائفية (*) على اساس المحاصصة التي سادت كتلها و استقوت عناصرها بأساليب و اجراءات لا دستورية وبالتلاعب على القواعد المعلنة، بدعم اقليمي ودولي متناقض لاينقطع وبأساليب لاترحم من قبل القوات الطائفية بحق معارضيها وبحق المنتمين لغيرها في منطقتها . الأمر الذي تسبب بأحداث دامية كبرى في سبايكر ثم سقوط الموصل واعلان دولة خلافة مزعومة، ركبت الفوضى والمعاناة من الحكم الطائفي الذي آذى سكّان المناطق الغربية والعربية الشمالية بداية للسلوك اللا عقلاني للحكومة القائمة حينها في حل الخلافات، وان حذّر ونبّه قسم من دور دوائر اميركية اساءت التصرف والتقدير، تشير اعداد هائلة الى التغلغل اللا معقول للنفوذ الإيراني المنتشر بإسم الطائفة وبراية مرجعية ولاية الفقيه، بعد تزايد التطرف لحكم الفقيه قياساً بالعقود السابقة، حين تعايشت وتفاعلت الدوائر الإيرانية مع الدولة السورية العلمانية والدولة اللبنانية الدستورية. وفيما واجهت البلاد موجات الإرهاب وانواع التعقيدات والمخاطر بمسؤولين لم يثبتوا كفاءتهم وقدراتهم وتسببوا بأخطائهم و فساد غالبيتهم، واهمال وعدم تطبيق الفقرات الأساسية للدستور ـ الذي صوّت عليه الشعب ـ من قبل الحكومة و البرلمان، تسببوا بتمزّق البلاد وبضياع قدرات ابنائها و ثرواتها و دورها في المنطقة. ورغم اعتراضات المرجعية العليا للسيد السيستاني ومطالبات قادة لكتل متنفذة بينها الكتلة الكردستانية، بالعودة الى الدستور والالتزام به، إلاّ أن النهج الحاكم الذي بدأ به وارساه الأمين العام لحزب الدعوة السيد المالكي، هو الذي ثبّت الحكم الطائفي الذي اضرّ بكل طوائف البلاد بسنّتها و شيعتها واضرّ بالأديان والمكوّنات الأخرى التي صارت تستنجد بقوى الخير والتقدّم في العالم لإنقاذها من مخاطر الإبادة والفلتان الديني الطائفي العرقي، وفق مقابلات لبرلمانيين في اجهزة الإعلام . واثر تزايد الفقر والبطالة وتزايد المنكوبين بالإرهاب والقتل الطائفي، حتى بلغت اعداد النازحين و المهجّرين ملايين عدة، تصاعدت الاحتجاجات و المطالبات الجماهيرية الداعية الى "الخبز، الحرية، العدالة الإجتماعية "رغم مواجهة حكومة المالكي لها بالرصاص الحي في رابعة النهار وسقوط عدد من المحتجين شهداءً ، لتنفجر في انتفاضة شعبية عمّت محافظات و مدن البلاد الشيعية و السنيّة الطابع و التي شاركت فيها كلّ مكونات الشعب العراقي بشعار"بإسم الدين باكونا الحرامية" التي وجهت بأساليب القسر والإرهاب وقدّمت اعداداً من الشهداء، لتتطوّر الى تهديد جاد باحتلال (المنطقة الخضراء) الحاكمة. و يرى محللون محايدون، أن الطائفية، الإرهاب، تواصل الفساد والظلم، و التلاعب بشروط و قوانين الانتخابات التشريعية و انتخابات المجالس المحلية التي آخرها ليغو 1.7 سيئ الصيت ونتائجها المدمّرة المتزايدة على اساس المحاصصة وتشديد الهجوم على قوانين حماية حقوق المرأة ثم مهاجمة المدنيين بتهم الكفر و الزندقة التي ادّت الى اشتداد المطالبات الجماهيرية بالالتزام بالدستور وبحقوق الفرد و ضمان حريته الشخصية في العبادة و التفكير و التعبير . ادّت كلها أو تفاقم قسم منها ومنذ سنوات الى مطالبات لمكوّنات بتشكيل فدراليات، كفدرالية الجنوب الشيعية، فدرالية البصرة ثم فدرالية العرب السنّة، اثر متابعة التطور والازدهار التي عاشتها الفدرالية الكردستانية بعد حصولها على الفدرالية دستورياً، ناسين أو غير عارفين بحقيقة القضية الكردية و نضالات كردستان طيلة عقود من أجل " الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي لكردستان " التي تطورت الى الحكم الذاتي الحقيقي والى الفدرالية اثر انواع التضحيات واثر النضال العنيد لشعب كردستان بمكوناته . بعد أن صارت مكونات عراقية تشعر بالخوف من خطر الإبادة اثر تفاقم الإرهاب خاصة و تفاقم نشاط القاعدة واعلان دولة خلافة داعش الإجرامية التي سعت الى ابادة المكوّن الأيزيدي وحكمت بالوحشية و الرعب و العبودية الجنسية و سوق النخاسة و جيّشت آلاف المتطوعين من دول العالم وهددت العاصمة بغداد واربيل اضافة الى المدن المقدسة النجف وكربلاء بالاجتياح، امام هروب الوحدات العسكرية الرسمية بقيادة قائدها العام المالكي آنذاك. و حذّر ويحذّر مراقبون من نشاط انواع الميليشيات الطائفية المقابلة واساءتها التصرف بلا محاسبة ولا انضباط حكومي مدني أو عسكري أو ديني و بلا مبالاة بتوجيهات المرجعية الشيعية العليا للسيد علي السيستاني، في وقت لم تبالي فيه حكومة حزب الدعوة ـ المالكي الحاكم بالمعاناة الشعبية لكل مكونات البلاد ولا بفحوى الانتقادات و الاحتجاجات الواسعة المطالبة بإلغاء المحاصصة و الاحتكام لقيام دولة مدنية على اساس المواطنة والكفاءة وتكافؤ الفرص، حتى وصلت الى خلاصة بلسان السيد المالكي حينها (إن الشعب لايحبنا) دون التوصل الى لماذا و لا الى ماهية سبل الحل . بل و لم تبالي بالمخاطر المهددة لوحدة البلاد والمحاولات المتنوعة لاستقلال اجزاء البلاد عن سلطة الحكم القائم، التي بقى قسم منها في اطار البلاد لمواجهة خطر داعش الإجرامية ولإسناد الجيش العراقي وقوات الحشد والبيشمركة الباسلة التي تصدّت لداعش وكسرتها مجللة بالعار، بقيادة القائد العام للقوات المسلحة السيد العبادي. وعلى ماتقدّم ورغم مصاعب ونواقص وثغرات، يتساءل خبراء ومحللون ألا يحقّ لحكومة كردستان الفدرالية أن تقلق من انعدام ضمان لتعمّق الحكم الفدرالي في ظروف اثبتت أن لاقيمة للوعود فيها بل ولا قيمة حتى للدستور في ضبط مسيرة البلاد واحقاق الحق وايقاف التجاوز، ألا يحقّ لرئيس فدرالية كردستان السيد البارزاني أن يطالب بتحديد موعد تلتزم به الأطراف المعنية لإجراء الاستفتاء عن الحق بتكوين دولة كردستان بمكوناتها الكردية والآشورية والكلدانية السريانية والأيزيدية و العربية وفق الدستور، أو ضمان خطيّ من الدول الكبرى بإقرار ذلك الحق على الأقل ، ثم العمل بالتعاون معاً لتنضيج المطالب العادلة بالطرق السلمية و بالحوار ؟؟ وهل ستبقى الكتل الحاكمة على ديدنها في سد طرق التغيير من اجل خير البلاد و العباد، مهما تأزّمت المواقف ؟؟ والى أن تتمزق البلاد وتتقسم الى اجزاء لن ترضى حتى بقيام كونفدرالية تجمعها كدويلات متصالحة متعاونة ؟؟ ألم يحن وقت التغيير الذي تطالب به الملايين بقيام دولة مدنية دستورية فدرالية قائمة على اساس المواطنة و إلغاء المحاصصة ؟؟ (*) يشير سياسيون بارزون في مواقع الحكم الآن الى انهم اعتمدوا الطائفية لإن احزابهم كانت ضعيفة أو مُدمّرة في زمن الدكتاتورية وظلمها الشنيع بحق معارضيها.

 

 

في الذكرى الـ 9 لرحيل المفكر كامل شياع
 

 
 

حينَ نحلم بأيثاكا علينا أنْ نشهدَ للرحلة: تنويعات من دفتر الخواطر .. فيصل عبد الله .. في الذكرى التاسعة لاغتيال المفكر والعقل التنويري كامل شياع ما زال الصوت القادم عبر الهاتف طرياً. واثقاً. كأنه بالأمس. أسمعه بكل وضوح في سرداب بيت عائلة إنكليزية كريمة وعريقة. أستذكره اليوم من بين ركام الأصوات القادمة من هناك. أستذكره غداة ذلك الحدث الذي خطف منا الأعز والأنبل. كنا نتحدث وقتها عن معرض فني حمل عنواناً لافتاً في الـ"هيووارد غاليري". "القصة الأخرى"... "لا بالله"، ذلك ما نستعد له في الوقت الحاضر كان يقول، وقد أخذت على عاتقي كتابة أفكار أولية عن قصتنا في أماكن متناثرة نحن المعلقون بخيوط النجوم. -ولكن الفنان الباكستاني رشيد آرين قضى عشر سنوات يطرق أبواب المؤسسات الفنية البريطانية، أو المعنية بها، لكي يجمع ثلاثين فناناً من منابت مختلفة، ومن خلفيات سياسية يسارية، استقر بها المقام في هذه الجزيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وليخرج الى العلن بقصة تكاد لا تذكر. كنت أقول إن الإعلام يبحث عن الدم وأخبار الموت والقصص التراجيدية لتتصدر واجهات صفحاته أو نشرات أخباره. -أعرف ذلك. ولكن المنفى يبقى هامشاً مهما طال الزمن ما دام لا يصادر رؤيتنا. -وهل علينا الانتظار لأكثر من أربعة عقود لتُسمع قصتنا؟ -لربما لا تُسمع أبداً. -اللعنة، هل أنت جاد، هل تعني أن "الطنطل" القابع هناك سيظل جاثماً على الأنفاس ويصادر ما بقي لنا من عمر. تذكر نحن جياد أخذ التعب يظهر على محيا البعض. -للأسف لا توجد نهايات سعيدة كما ترويها قصص السينما لمن أختار الطريق. ذلك ان فعل التغيير لا يأتي عبر الانتظار على الحافات، ولنا في تقلبات التاريخ وما يحمله من مفاجآت وتعاكس معادلات ما يشي بقلب تطلعاتنا الشخصية أو السياسية. إذ لا توجد صفقات رابحة وجاهزة تعقد مع التاريخ سلفاً. واحدة من دروسه القاسية: كونه عضاضاً. حاول التخلص من لوثة الحنين وعذاباته. سأبعث لك بمسودة عن المنفى والمكان، اطلع عليها واحتفظ بها لأنها تحتاج الى مراجعة جادة، إذ كتبتها تحت وقع أفكار دارت في الذهن ونحن نعد إلى معرضنا المزمع، علّها تجيب على بعض الأسئلة المعلقة في ذهنك، واعتبرها رسالة شخصية. -طيب سأحتفظ بها كما احتفظ بغيرها. -حين أستعيد نشر نص تلك الرسالة، مثلما هي ومن دون تدخل، أجد أن مصيرها لم يختلف عن مصير معرض "القصة الأخرى". مصيرها لم يختلف كثيراً عن فحوى سؤالي الحارق وقتها، سوى بنتائجها التراجيدية؛ من تسلمها تأبد منفاه، وأن كاتبها قضى اغتيالاً في بلده على يد "طنطل" جديد وقطاع طرق سفلة غدراً. كم هو معذب وقاس، عليَّ وعلى من عرف كامل شياع، أن تنتهي حياة قامة تنويرية كبيرة وفكرية نفتقد عقلانية مشروعها الثقافي الطموح اليوم إسمه كامل شياع. سوف أترك تأويل مغزى الرسالة المرفقة لمن يشاركني لوعة الغياب.. أفكار ليست للنشر المنفى كمكان الى فيصل : إنني أجلس في ظلالك عندما أكتب لكل تجربة مكان. وشاءت تقاطعات حتمية نظام الأشياء واختياراتنا أن يكون لتجاربنا مكان دون الوطن. وإذا كان مكوثنا القسري لسنوات غير قليلة من أعمارنا في المنفى قد أتاح لنا شيئاً، فهو إطلالات متحرقة على الوطن الأول، واستعادات لم تنقطع عّما كناه وما لم نكنهْ: لمصائرنا باعتبارها دلائل اختلاف. نحن والوطن الحاضر صرنا نتنازع الانتماء. هل هي رحلتنا الغريبة أم رحلته التي أدت الى هذا الافتراق المفجع؟. وحيث إن لا أحداً منا قد نال جواباً بعد، تُركنا نلهو بطلي إقاماتنا الشاذة ببريق الوطن الأول أو برماد خرابه. وننسى....ننسى المنفى فنحيله الى مجرد معبر للتواصل اليوم أو محطة عابرة في مسيرتنا الوهمية المنتصرة نحو ذلك الوطن – السراب . ورغم أن الذات الإنسانية لا تقوى في قرارتها على الانتساب لأكثر من وطن واحد، إلا أنها في التجربة تنزع غالباً للتمرد على ارتباطاتها المسبقة من أجل اختراقها. وهذا الاحتمال هو ما تزكيه التجربة الثقافية المعاصرة، بما تتميز به من وعي حاد لعدم الاتساق الذي يحكم نظام الأشياء ويميز التجارب الإنسانية، وبما يجعل تكرار الأصول ينطوي على إمكانية جعلها أكثر مثالية، وبالتالي أكثر وهمية. فهل حان الوقت لنعلَق وقتياً انجذابتنا المعتادة لدلالات ميتافيزيقية من أجل اكتشاف خارطة حضورنا الفعلي؟ أو لنرفع حكم التأجيل غير المعلن عن تجربتنا في المنفى كي نجد أنفسنا في سياق أكثر شمولية ؟ لانختلف في أن المنفى مهما طال يبقى هامشاً. لكنه هامش لم ينغلق إزاء مطالباتنا ولم يصادر منا الرؤية. لذا ينبغي استيفاؤه حقه لأنه متن بالقوة ، لأنه الوجه الآخر للوطن. حين نحلم بأيثاكا ينبغي أن نشهد للرحلة!. *** من بين مرادفاته العديدة، كمأوى، كأمان، كحرية، كفضاء نقيض للحرمانات.. وغيرها، تبرز مفردة الفصل باعتبارها التلخيص الأشمل للمعنى المعاش وما ينطوي عليه بالنسبة لنا. وبالأحرى فإن كل ماتقترحه المرادفات الأخرى لايعدو أن يكون معادلاً لوظائف تتوج بوعي علاقة الانفصال القائمة بين البيت وبين النُزل. ومع هذا الفصل المتحقق فيزيائياً وروحياً تبتدأ بالتلاشي حدود انتظامنا الخيالي في العالم متيحةً انفراط المصائر والأخيلة. ماهو العراق في خضَم هذا الانفراط؟ أهو صور مسالمة من ماضٍ صار بعضنا يفتديها بإعلان شهادة مبكرة ؟ أهو إضافة لاغير لسيرة ذاتية في تيهٍ شامل ؟ أهو مرجع لن نحتكم اليه؟ إننا لانبغي وطن الصور، لا نبغيه موضوعاً سهلاً لنرجسية الذات أو لمونولوغ الفقدان. إننا لا نتردد من الاعتراف بأن كل مانمتلكه دون الوطن – البيت ودون الوعي الماسك بتلابيبه. لكننا لا نجد جدوى من إكمال تجربتنا عبر اختيار قصدي للسكنى في يوتوبيا الأصول. إننا لانريد أن نقيم خلف أسوار حضاراتنا الغابرة نرمّم واجهاتها ونوصد أبوابها في مساءات العمر ! *** إن المكان، من الناحية الفلسفية، هو أحد الأبعاد الأساسية للتجربة الإنسانية لأن انتظامه يشي بانتظام التجربة الإنسانية ذاتها. ولكن المفارقة التي نراها هي، أن وظائفية المكان الناتجة بالطبع عن انتظامه تبدو متناسبة عكسياً مع الانجذاب إليه جمالياً. هل أن حنين الفنان المنفي الى الأمكنة القديمة هو في جوهره حنين الى أمكنة موضعية غير منظمة ولكنها مشحونة بمعانٍ فلسفية واجتماعية ؟ قليلون هم أولئك الذين يتصورون إن سعادتهم يمكن أن تتحقق بالعيش في أماكن عالمية محايدة، وإذا كان الأمر كذلك، فإن المكان سيُختزل عندئذ الى الصفر في علاقة الذات بالعالم. ولكون العلاقة مع المكان هي علاقة يحضر الماضي على وجهها الآخر، والوجود فيه يستتبع الحنين إليه، فإن التماهي مع المكان ككلية لايمكن أن يقوم على إلغاء تفاصيله. العلاقة بالمكان إذن، إن كانت نتاج تجربة معاشة أو نتاج تخيل، تفترض لا طبيعية المكان. أي إنها ليست علاقة جسد (إنساني) بأشياء(موضوعات خارجية)، ولاعلاقة قابلة للفنون الشكلية أن تتمثلها كما ينبغي، لأنها تحديداً علاقة تأويلية ذات معانٍ إجتماعية. ومن هنا تبتدأ صعوبة (خصوصية) التجربة الجمالية للمكان، كونها تجربة تختلف وربما تتجاوز في فحواها النهائي (توصلاتها) مستويي الانغمار التلقائي في الاشياء والتجرد عنها، أو مستويي الصور الخام وما تولده من مفاهيم . إن نبذنا لفكرة المكان الطبيعي والمجرد، على السواء، يقودنا الى اعتبار علاقتنا بالمكان هي قبل كل شيء علاقة محتوى يمنح قيماً جمالية أصيلة تبدأ من تاريخيته وليس من صنميته. ووفق هذه الرؤية فإن اختراق شكلية المكان، وما يحمله من تفرد فولكلوري، يضعف أمام مواجهة أصعب لإجلاء معالم مكان انتسبنا إليه انتماءً. أن المكان كمحتوى هو دائماً أكثر قابلية للمقارنة بأمكنة أخرى منه كمجرد شكل. وهكذا يبدو أن نقطة الانطلاق التي تجعل من الوطن والمنفى مكانين مكملين لبعضهما هي في الوقت ذاته النقطة التي تجعل تمايزها أقل وضوحاً مما يبدو للوهلة الأولى. اننا نعنى بإبراز الاختلاف باعتباره مصدر متعة جمالية وتسامياً . *** إن المكان لا يرتفع إلا ليكون دارساً: إنه لايقوم، مهما طالت السنوات ، إلا لمرة واحدة فقط ليودع حضور ساكنيه الى الأبد نحو رحلة الفناء والبدء من الصفر.. المكان هو استبدال وتراكم في فراغ . لاشيء يشبه عدمية تجلي المكان وغيابه. وحتى أولئك الذين يستذكرونه بالكلمة أو الصورة فإنهم لا يستذكرونه الإ عبر قصصهم وإقاماتهم الخيالية. لايكتمل معنى المكان إذاً من خلال فيزيائيته ومصيره الحتمي للزوال، لأنه نتاج تجربة خيالية نصدقها ولا يهمنا غالباً التحقق من نتائجها. المنفى كمكان والوطن كمكان، يمثلان شروطاً موضوعية مختلفة وتجارب مختلفة سمتها الأكثر غرابة هي عدم انفتاحها للاختيار أو للمفاضلة. في الوطن بدا لنا المكان متكاملاً مع بعضه، لا كمحتويات وحسب بل كقصد وموضوع. كان فسيحاً لتفاصيل الذاكرة، متجانساً كما الصحراء ضمن حدود متحركة تعصى على إرادة الامتلاك والمراقبة وتتسع للجميع وللا أحد. أما في المنفى، فإن المكان يبدو قائماً لذاته وأكثر انغلاقاً، لأنه يحضر كقيمة مشبعة بغايات وظيفية وجمالية قلما تحتمل الإسقاطات التخيلية للذات. انه بالتأكيد غير معدٍ لفنان منفي ليقيم فيه بكونه جزءاً منه، ولهذا فهو يشكل بالنسبة لطاقة الخيال مادة ممانعة جميلة بذاتها ولكنها تعيق رغبة إعادة الاكتشاف عبرها لأنها لا تحرض على ذكريات أصيلة. كل ما يبقى للفنان، وللوهلة الأولى، من هذا المكان هو ليس المكنونات التي يجسدها بل الزوايا والحُجر التي يتيحها ليبقيه حياً يأمل. ولكن من منظور تأملي، فإن لهذا المكان العصي فضيلة لا تخطأ، هي فضيلة تجسيد استمرارية الاختلاف الحضاري وسطوة حضور الآخر مقابل غياب الذات في متاهاتها الحلمية أو في خلاصاتها الوجودية. وإزاء امتلاء معالم مكان الآخر يسحق الخراب معالم مدننا (عبثاً تنقذها الذكريات !)، مجسداً نزعة تدميرية هائجة تتخذ من الاحياء والتحديث شعاراً لإعلاء مسرح هائل لدمى آدمية محكومة بفنطازيا الرعب من النظرة الشمولية المستَفَزْة للدكتاتور .

 

 

نتخلف عن الآخرين ونُبقي على الاغتصاب مباحاً قانوناً
 

 
 

هادي عزيز .. كثيرة هي النصوص القانونية المشرعنة للتمييز ضد المرأة والمبثوثة في الفروع المختلفة للقانون، وعلى وجه الخصوص تلك النصوص في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، المتميز بطغيان الرؤية الذكورية في استهداف المرأة، فمن تأديب الزوجة الذي يعده القانون حقاً للزوج وفعلاً مباحاً، إلى ما يُسمى بجرائم الشرف المعروفة بـ (غسل العار)، مروراً بمكافأة المغتصب بزواجه من المغتصبة بذريعة الستر وتجنب الفضيحة. ولم تشفع لنا كل التصديقات للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان للوقوف بوجه طغيان النصوص القانونية التي تشيرالى التمييز والعنف ضد المرأة. وإذا كان لنا في الماضي قصب السبق والريادة في سنّ العديد من القوانين المنحازة للإنسان، كقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وسواه من القوانين، الا أننا وجدنا أنفسنا الآن نتخلف عن العديد من الدول العربية كمصر والمغرب والأردن وأخرها لبنان، التي بادرت إلى عقاب المغتصب بالعقوبة التي يستحقها بموجب القانون، ولن تجد له المبرر القانوني للافلات من العقاب. لكن عندنا ما يزال السوط الذكوري المتمثل بالمادة 398 عقوبات مسلطاً على رؤوس ضحايا الاغتصاب نافذاً وفاعلاً ومحل تطبيق في محاكمنا كافة، ولم يرف للمشرع جفن أمام قسوة وظلم النص التالي: (إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب احدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المجني عليها أوقف تحريك الشكوى والتحقيق فيها والاجراءات الأخرى، وإذا كان قد صدر حكم في الدعوى أوقف تنفيذ الحكم وتستأنف اجراءات الدعوى أو التنفيذ حسب الأحوال إذا انتهى بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب متعلقة بخطأ الزوج أو سوء تصرفه وذلك قبل انقضاء ثلاث سنوات على وقف الاجراءات .. ) المادة 398 عقوبات. معلوم ان الفصل المشار اليه في النص هو الفصل الأول من الباب التاسع من قانون العقوبات والوارد تحت عنوان ( الاغتصاب واللواط وهتك العرض ). من هذه النصوص يتضح: أولاً – إذا حُكم على الجاني بالسجن المؤبد أو المؤقت أو الاعدام إذا اقترن الفعل بالظرف المشدد، (من الظروف المشددة اغتصاب القاصر)، فإن تنفيذ الحكم يوقف بالزواج الصحيح من المغتصبة. ثانياً – إذا كانت الدعوى في مرحلة التحقيق فأن تحريك الشكوى يوقف، وكذلك التحقيق وبقية الاجراءات المتعلقة به. ثالثاً – أن يبقى عقد الزواج مستمراً لثلاث سنوات يكون خلالها الجاني متمتعاً بوقف التنفيذ. وبعد انقضاء تلك المدة يستطيع الجاني أن يعنفها بشتى وسائل العنف أو يطردها من دار الزوجية أو يحرمها من النفقة أو يطلقها، وليس لها من مناص سوى الرجوع للأحكام العامة المتناولة لهذه المواضيع في قانون الأحوال الشخصية أو سواه من القوانين الأخرى. رابعاً – ان إرادة المشرع بزواج المغتصب من ضحيته يعني اضفاء الشرعية على فعل الاغتصاب، وبذلك فإن المشرع يعد فعل الاغتصاب غير مجرّم، أي أنه فعل مباح، وبذلك يخرج هذا الفعل من السياسة الجنائية أو سياسة التجريم في قانون العقوبات، وباختصار أنهم يعطون المبرر الشرعي للمغتصب للقيام بفعلته، ومكافأة له على انحرافه بتحريره وسجن الضحية بالزواج. خامساً – ان عقد الزواج من المغتصبة، يجعل الاغتصاب متكرراً، لأن كل العلاقات الجنسية اللاحقة بعد عقد الزواج هي أثر من أثار الاغتصاب الأول ونتيجة له، وبذك تكون الضحية حبيسة الاغتصاب لمدة الثلاث سنوات التي رسمها المشرع، إذ ان الوقائع تشير إلى ان الجاني سرعان ما يترك ضحيته لمجرد انقضاء السنوات تلك. سادساً – حالة الزواج من المغتصبة القاصر يعدم ركن الرضا في عقود الزواج، باعتبار ان عقد الزواج من العقود الرضائية لكونه إيجاب من طرف وقبول من الطرف الآخر (المادة الرابعة من قانون الأحوال الشخصية)، والقاصر غير متمتعة بالأهلية القانونية لابرام ذلك العقد لعلة القصر، وبذلك تُرتكب جريمة أخرى بحق الضحية المتمثلة في مواقعة قاصر، فضلاً عن جريمة الاغتصاب الأولى. سابعاً – ان زواج القاصر من مغتصبها يُعد مخالفاً لأحكام اتفاقية حقوق الطفل الموقع عليها من قبل العراق، التي اصبحت بموجب التصديق جزء من النسيج التشريعي العراقي، ولما تتضمنه من قواعد قانونية آمرة توجب حماية الطفل من فعل الاغتصاب والأفعال المماثلة. ثامناً – كثيرة هي التبريرات لعقد الزواج من المغتصبة، كالخوف من الفضيحة والعار ووجوب الستر والخجل ولزوم الصمت، وهذه أمور تتعلق بأسرة الضحية، وللذكور منهم على وجه التخصيص، أما المغتصبة (الضحية)، فلا أحد يلتفت إلى معاناتها ووضعها النفسي أو خصوصيتها أو الوضعية الدونية التي وجدت نفسها محشورة فيها، متروكة للقدر الذي يرسمه لها الآخرون. تاسعاً – لا أحد يعرف حجم المعاناة التي تمر بها الضحية، فيما لو تزوج زوجها عليها بزوجة أخرى، أو كانت لديه زوجة أخرى قبل حدوث فعل الاغتصاب، من خلال نظرة الزوجة الأخرى إلى الزوجة المغتصبة، أي أننا نحمّل الأخيرة الكثير من الأعباء النفسية والمعاناة من دون ذنب اقترفته أو نية زرعت أو ارادة انصرفت. عاشراً – المؤامرة الذكورية – التي تبدأ بالفاعل وما اقترفه من فعل بحق الضحية، ثم انحياز الرجل في السلطة التشريعية لتبرير فعل الفاعل بنصوص قانونية تستبيح الضحية وتشرعن لفعل الاغتصاب، يُضاف لهم الرجل من عائلة الضحية من أجل استحكام التضييق عليها وجعلها حبيسة للرؤية الذكورية بأذرعها المتنوعة. فالكل شركاء في انتهاك جسدها، والكل على وفق موروثهم يضعون البكارة أمانة لديها، لأنها بكارتهم ماداموا يمتلكون جسدها. حادي عشر – ان هذا النص الذي يبيح للفاعل فعلته يتناقض بشكلٍ واضح مع السياسات الجنائية التي تضعها الدول للتصدي للجريمة المتمثلة بالردع الخاص، أي أن يرتدع الفاعل من خلال العقوبة المفروضة عليه، فضلاً عن الردع العام، وهو ان يتخذ الآخرون من العقوبة التي وقعت بحق الفاعل درساً يتجنبوا الوقوع فيه.

 

 

العواقب السيكوسياسية لإقرار "سانت ليغو" الانتخابي بصيغة (1.7)
 

 
 

د.فارس كمال نظمي .. لعلّ سحرَ الأرقام يشكّل أحد عوامل العمى السياسي التي قد تحجب بواطن التفاعلات الاجتماعية الكامنة عميقاً تحت القشرة السياسية للأحداث في البلدان التي تعاني فشلاً مزمناً في تطورها السياسي. وتعدّ القواسم الانتخابية الحسابية واحدة من هذه التوهمات المحتملة التي قد تحقق طمأنة نفسية زائفة لتيارات سياسية تتهيأ لانتخابات جديدة بعد أن أحرزت فوزاً مريحاً في انتخابات سابقة. فقد قرر مجلس النواب العراقي في تصويته على المادة (12) في قانون انتخابات مجالس المحافظات، بجلسته المنعقدة في 7/ 8/ 2017 اعتماد القاسم الانتخابي المعروف بـ"سانت ليغو" بالصيغة الحسابية (1,70) عند توزيع الأصوات في الدوائر الانتخابية المتعددة المقاعد في الانتخابات المحلية القادمة وفقاً لمبدأ التمثيل النسبي. والمعروف أن الأرقام التي انبثقت منها صيغة "سانت ليغو" الأصلية كانت (1، 3، 5، 7،...) كمقسوم عليها، ثم جرت تعديلات على الرقم الأول ليصبح (1,40) أو (1,60) أو (1,70) أو (1,90) بحسب التشريعات المحلية للدول، مع إبقاء بقية الأرقام كما هي. وإن الزيادة في هذا الرقم الأول ترافقها دوماً زيادة في عدد الفائزين من القوائم الكبيرة، إذ تعني رياضياً أن عدداً مهماً من أصوات الناخبين المعطاة للقوائم الصغيرة يجري حذفها من حصة هذه القوائم وكأنها غير موجودة، قد تصل في بعض الحالات إلى ثلث عدد الأصوات. وإذا كانت أساليب حساب الفائزين بالمقاعد الانتخابية ذات التمثيل النسبي لا تقتصر على طريقة "سانت ليغو" بل تتنوع بحسب فلسفة النظم الانتخابية والتشريعات الدستورية للدول، فإن المدافعين عن استخدام "سانت ليغو" يشيرون إلى أن زيادة رقمه الأول يمكن أن يوفر استقراراً سياسياً أشد لأنه يضمن صعود الأقوياء واستبعاد الضعفاء، فيما يؤكد المؤيدون لتقليله أنه أداة للاستئثار بالسلطة لاسيما في المجتمعات المأزومة التي تعاني من تغول الأكثريات السياسية والإثنية.وإلى جانب هذا الجدال القانوني والسياسي المهم بين الطرفين، فإن الحالة العراقية الراهنة تستدعي أيضاً رؤية أكثر مجهرية في عواقب الحراك الاجتماعي المحتمل أن ينتج عن هذا القرار السياسي في اللحظة الراهنة، إلى جانب مسببات أخرى مباشرة لهذا الحراك، منها على سبيل المثال لا الحصر عدم تشكيل مفوضية جديدة للانتخابات لها استقلالية حقيقية خارج أطر التقاسم الحزبي. الشرعية الانتخابية والشرعية النفسية ينطلق التحليل الحالي من فرضية أن الكتل الكبيرة أي تلك الماسكة بالسلطة السياسية منذ سنة 2003م والموصوفة بنظام الإثنيات السياسية الغارق في فساد بنيوي والعاجز حتى الآن عن تحقيق إدارة رشيدة لشؤون الدولة، هي التي ستستفيد من "سانت ليغو" المعدل هذا في الانتخابات القادمة 2018، بحكم أنها ما تزال قادرة على التحكم الواسع النطاق في نتائج الانتخابات عبر وسائل التأثير النفسي والمالي واللوجستي. أما الكتل الأقل حجماً أي تلك المدافعة عن مبدأ المواطنة والإصلاح السياسي السلمي، فإنها ستكون المتضررة من "سانت ليغو" المعدل إذ أن أغلب مفاصلها يقع خارج السلطة ما يجعلها محدودة القدرة على إحداث تأثير مباشر في الوعي الانتخابي، أي ستبقى بعيدة عن تحقيق الأغلبية الانتخابية في هذه المرحلة. أما الفرضية الثانية المحتملة فهي أن هذه الصورة ستنقلب حسابياً، أي تصبح الكتل العابرة للتطييف السياسي هي المستفيدة من "سانت ليغو" المعدل في حال حدوث انقلاب جذري في الوعي الانتخابي للفرد العراقي، وهو ما يقع خارج التحليل الحالي المقتصر على تبنّي الفرضية الأولى المتفق عليها ضمن معطيات اللحظة التاريخية الماثلة في العراق. إن مسألة "سانت ليغو" في إطارها الاجتماعي تحيلنا فوراً ومباشرة إلى التفكير بمسألة عدم التناسب الحالي بين الشرعية السياسية الانتخابية (أي لغة الأرقام) والشرعية السياسية المُدرَكة (أي لغة المشاعر والأفكار) في المخيال الاجتماعي، وهي مسألة تثقل كاهل المجتمع العراقي المتباطئ بانتقاله العسير من عصر ثقافة تسويغ المظالم إلى عصر ثقافة المساءلة والاحتجاج. فالفجوة بين الشرعيتين تظل أمراً مفهوماً في المجتمعات التي لم يصبح بعد وعيُها السياسي جزءاً من شخصيتها الاجتماعية المستقرة، ومنها العراق؛ بمعنى أن ما حصدته أو ما قد تحصده الكتل الكبيرة من نسبة مقاعد عالية (أي شرعية انتخابية) لا يعبّر بالضرورة عن المقدار نفسه من مقبوليتها المجتمعية (أي شرعية نفسية)، إذ أن الرفض النفسي لدى الناخب العراقي لم يتحول كلياً إلى فعل ملموس مكافئ له (أي رفض انتخابي). فهذا الفرد اليوم بات يشعر أن ثمة تآكلاً مستمراً في الشرعية النفسية التي تمتلكها الكتل الحاكمة في إدراكه وتقييمه، بحكم حالة الانهيار المؤسساتي والخدماتي والافلاس المالي الذي تشهده البلاد بعد عقد ونصف من العنف السياسي الدموي. وهو تآكل تصرّ هذه الكتل على أن لا توفر متنفساً معادلاً له في نتائج الانتخابات القادمة (المحلية و/ أو النيابية) في ضوء صيغة "سانت ليغو" الجديدة التي قد تضمن لها في نهاية المطاف أنّ تآكل شرعيتها النفسية المتـنامي لن يرافقه هبوطاً في شرعيتها الانتخابية الرقمية، ما دامت نسبة مهمة من الأصوات المعارضة سيجري تجاهلها في ضوء القاسم الحسابي هذا. العواقب المحتملة إن تحقيق الكتل الحاكمة الحالية لأكثرية انتخابية توفر لها هيمنة مريحة على البرلمان ومجالس المحافظات، سيعني إقراراً منها بالاستئثار الكامل بشؤون الحكم ومصير البلاد في وقت تبدو فيه عاجزة عن تقديم أي إجراءات إصلاحية لهيكليتها ووظيفتها عبر إصرارها على استبعاد تيارات أخرى إصلاحية يمكن أن تحقق بالتشارك معها مساراً انتقالياً سلمياً نحو أوضاع أقل بؤساً. وهذا الاستبعاد هو أمر بالغ الإحباط لآمال المجتمع الذي بات مهيئاً نفسياً للتغيير بمفهومه السياسي المتعدد الأبعاد.

 

 

فشل الاكاديميا العراقية
 

 
 

د.لاهاي عبد الحسين .. تفخر الأكاديميات العريقة في العالم بأنّها مصدر إشعاع حقيقي من خلال ما تجود به عقليات النساء والرجال المشتغلين فيها من أعمال ومنجزات فكرية بلغوها بشق الأنفس وبعد سنوات طويلة من الجهد المنظم والدؤوب. يأتي هذا بصيغة نظريات وأفكار ومحاولات أقل ما يقال فيها أنّها تستحق أنْ تؤخذ بالإعتبار. وقد ترسخت تقاليد من هذا النوع حتى صارت الجامعة مقياساً ومصدراً للفكر الذي إختار في لحظات حاسمة في تاريخ الشعوب أنْ ينجب حركات اجتماعية مؤثرة كما في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية في ستينيات القرن الماضي والتي أدت إلى إصلاحات قانونية واجتماعية وأكاديمية مهمة شقت طرقاً للخلاص لجماعات عانت من الإقصاء والتهميش وحتى العبودية مثل النساء والشباب والسود واللاتينيين والفقراء . بعدها بسنوات قليلة ولدت ثورة الطلبة في فرنسا التي حققت هي الأخرى الكثير من التغيرات في البنية السياسية والأكاديمية وحتى الكنسية الدينية على مستوى المجتمع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية المجاورة. وإقتربت الأكاديمية العراقية ممثلة بمجموع الكليات والمعاهد ومؤسسات ومراكز البحث العلمي من هذا الهدف وبخاصة مطلع خمسينيات وستينيات القرن العشرين ليصبح الطالب الجامعي علامة فارقة وشخصية واعدة. وبرزت أسماء أساتذة وتدريسيين تركوا بصماتهم في بنية المؤسسة بما أنتجوا من أعمال وأثاروا من جدالات حرّكت المياه الراكدة في المجتمع. الا إنّ الوضع لم يستمر على ما هو عليه وبخاصة بعد عقود من الهيمنة السياسية أحادية النظرة والتطبيق. هيمنة قامت على حكم الحزب الواحد والزعيم الواحد والطريق الواحد نحو الحقيقة. لعل أولى هذه الظواهر أنْ صارت الجامعات وما يرتبط بها من مراكز بحثية قاعدة للفكر الإنهزامي المحافظ الذي يألف مدح النظام السياسي القائم ويبرر أخطائه وتجاوزاته من خلال العودة إلى قارورة القيم والتقاليد الاجتماعية السائدة والظروف الحاكمة حتى لكأنّ الناس لا يزيدون على أنْ يكونوا مجرد "أخشاب مسنّدة"، لا حول ولا قوة لهم في مواجهة ما يحدث. رافق ذلك خفض كبير وخطير في كمية ونوعية المادة العلمية التي يتحتم على الطلبة القيام بها فكان أنْ ظهرت الملازم والكراسات التي تقدم المادة العلمية بصورة قصاصات مجتزأة وموجزة وهي في الغالب قصاصات غير دقيقة وغير مركزة توضع كبديل للكتب والبحوث المنشورة في دوريات علمية معترف بها أكاديمياً. سرعان ما ظهر تأثير هذه النزعة في التعليم على الطلبة ممن صاروا لا يلفتون نظر أحد وبالتأكيد لا يبهرونه. وإستمر التدهور بنوعية التعليم بالتجلي من خلال تخريج أجيال أقرب إلى الدعاة والمبلغين منهم إلى المثقفين والمتسائلين عن كنه وطبيعة الأشياء. بل وإختار كثير منهم أنْ يغزوا مجالات غير التي درسوها وتأهلوا فيها كما في المهندس الذي يخوض بإرتياح شديد في مجال الدراسات الدينية وفلسفة العلوم والتاريخ دون أنْ يجد من يعترضه ويحاججه على كثير ما يفترض ويعمم. وهناك مسألة التعبير عن المواقف الذكورية أو الأنثوية التقليدية التي تذكر بحرب داعس والغبراء حيث نجد إصراراً لدى الكثير من خريجي الجامعات العراقية على التقوقع فيها دون أنْ يبذلوا جهداً لمحاججتها. في الوقت الذي نهض العالم فيه من سباته لتقدم أكاديمياته نظريات وأفكار أسست لأقسام دراسات النساء التي تعد اليوم الأسرع تنامياً، تتراجع أجيال من الخريجين العراقيين عن فهم القواعد الأولية لميادين معرفية من هذا النوع. خذ على سبيل المثال أنّ إنتشار مفهوم الـ "الجندر" لم يكن ليقصد منه التحذلق والتفنن بإختراع المفردات الغريبة وإنّما تم تقديمه بهدف تصحيح الأفكار والمفاهيم للبحث في الذكورة عن الأنوثة والبحث في الأنوثة عن الذكورة وبخاصة بعد هذا التدفق الهائل والتراكم العظيم في كم العلوم والمعارف بشأن جوانب متعددة في حياة النساء والرجال. بعد التغيير الذي أصاب البنية الاجتماعية والاقتصادية في عديد المجتمعات الإنسانية جراء الحروب والمعارك والصِدامات المسلحة وغير المسلحة لم تعد المرأة ذلك الكائن الرقيق المرهف والشفاف بمثل ما لم يعد الرجل ذلك البطل الأسطوري والقائد المغوار بل صار كلاهما نوعاً آخر من البشر تساوت لديهما وفيهما المشاعر والهموم. من جانب آخر، يتذمر كثير من خريجي الجامعات العراقية بمختلف إختصاصاتهم وبخاصة الإنسانية منها حول الفجوة الكبيرة التي يعانون من وطأتها بعد التخرج. فالتعليم الجامعي لا يؤهلهم لحياة عمل ناجحة وسهلة مما يؤدي بهم إلى أنْ يجدوا أنفسهم مضطرين للدخول في عمليات إعادة تأهيل لتعلم أساليب عمل تقليدية دأب الموظفون القدامى على السير بمقتضاها دون أنْ يكونوا قادرين على الإتيان ببدائل مقنعة. وهناك مسألة التعالي والعجرفة التي يبديها الكثير من المحسوبين على المؤسسة الأكاديمية العراقية بشأن المشاركة المسؤولة والحاذقة بالإعلام وصفحات الرأي في الوقت الذي تستخدم فيه المؤسسات الأكاديمية الفعالة في العالم مؤشر المشاركة في صفحات الرأي ومختلف وسائل الإعلام بإعتبارها جزءاً مهماً من دور الأكاديمي في تعزيز هدف "الجامعة في خدمة المجتمع". يذكر د ساري حنفي أنّ هناك (35) أكاديمياً فقط من مجموع (3800) أكاديمي متفرغ للعمل ممن يشاركون بصورة منتظمة في الصحافة المحلية لإبداء الرأي في لبنان. بالمقابل، بينما يقرب عدد التدريسيين المشتغلين في الجامعات العراقية من (40) ألف تدريسي بحسب احصاءات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لعام 2012 – 2013، يعملون في (29) جامعة ويخدمون (555) ألف طالبة وطالب في مختلف مراحل الدراسة الجامعية، فإنّ المساهمين في صفحات الرأي في الصحافة الوطنية لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.

 

 

فشل الاكاديميا العراقية
 

 
 

د.لاهاي عبد الحسين .. تفخر الأكاديميات العريقة في العالم بأنّها مصدر إشعاع حقيقي من خلال ما تجود به عقليات النساء والرجال المشتغلين فيها من أعمال ومنجزات فكرية بلغوها بشق الأنفس وبعد سنوات طويلة من الجهد المنظم والدؤوب. يأتي هذا بصيغة نظريات وأفكار ومحاولات أقل ما يقال فيها أنّها تستحق أنْ تؤخذ بالإعتبار. وقد ترسخت تقاليد من هذا النوع حتى صارت الجامعة مقياساً ومصدراً للفكر الذي إختار في لحظات حاسمة في تاريخ الشعوب أنْ ينجب حركات اجتماعية مؤثرة كما في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأميركية في ستينيات القرن الماضي والتي أدت إلى إصلاحات قانونية واجتماعية وأكاديمية مهمة شقت طرقاً للخلاص لجماعات عانت من الإقصاء والتهميش وحتى العبودية مثل النساء والشباب والسود واللاتينيين والفقراء . بعدها بسنوات قليلة ولدت ثورة الطلبة في فرنسا التي حققت هي الأخرى الكثير من التغيرات في البنية السياسية والأكاديمية وحتى الكنسية الدينية على مستوى المجتمع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية المجاورة. وإقتربت الأكاديمية العراقية ممثلة بمجموع الكليات والمعاهد ومؤسسات ومراكز البحث العلمي من هذا الهدف وبخاصة مطلع خمسينيات وستينيات القرن العشرين ليصبح الطالب الجامعي علامة فارقة وشخصية واعدة. وبرزت أسماء أساتذة وتدريسيين تركوا بصماتهم في بنية المؤسسة بما أنتجوا من أعمال وأثاروا من جدالات حرّكت المياه الراكدة في المجتمع. الا إنّ الوضع لم يستمر على ما هو عليه وبخاصة بعد عقود من الهيمنة السياسية أحادية النظرة والتطبيق. هيمنة قامت على حكم الحزب الواحد والزعيم الواحد والطريق الواحد نحو الحقيقة. لعل أولى هذه الظواهر أنْ صارت الجامعات وما يرتبط بها من مراكز بحثية قاعدة للفكر الإنهزامي المحافظ الذي يألف مدح النظام السياسي القائم ويبرر أخطائه وتجاوزاته من خلال العودة إلى قارورة القيم والتقاليد الاجتماعية السائدة والظروف الحاكمة حتى لكأنّ الناس لا يزيدون على أنْ يكونوا مجرد "أخشاب مسنّدة"، لا حول ولا قوة لهم في مواجهة ما يحدث. رافق ذلك خفض كبير وخطير في كمية ونوعية المادة العلمية التي يتحتم على الطلبة القيام بها فكان أنْ ظهرت الملازم والكراسات التي تقدم المادة العلمية بصورة قصاصات مجتزأة وموجزة وهي في الغالب قصاصات غير دقيقة وغير مركزة توضع كبديل للكتب والبحوث المنشورة في دوريات علمية معترف بها أكاديمياً. سرعان ما ظهر تأثير هذه النزعة في التعليم على الطلبة ممن صاروا لا يلفتون نظر أحد وبالتأكيد لا يبهرونه. وإستمر التدهور بنوعية التعليم بالتجلي من خلال تخريج أجيال أقرب إلى الدعاة والمبلغين منهم إلى المثقفين والمتسائلين عن كنه وطبيعة الأشياء. بل وإختار كثير منهم أنْ يغزوا مجالات غير التي درسوها وتأهلوا فيها كما في المهندس الذي يخوض بإرتياح شديد في مجال الدراسات الدينية وفلسفة العلوم والتاريخ دون أنْ يجد من يعترضه ويحاججه على كثير ما يفترض ويعمم. وهناك مسألة التعبير عن المواقف الذكورية أو الأنثوية التقليدية التي تذكر بحرب داعس والغبراء حيث نجد إصراراً لدى الكثير من خريجي الجامعات العراقية على التقوقع فيها دون أنْ يبذلوا جهداً لمحاججتها. في الوقت الذي نهض العالم فيه من سباته لتقدم أكاديمياته نظريات وأفكار أسست لأقسام دراسات النساء التي تعد اليوم الأسرع تنامياً، تتراجع أجيال من الخريجين العراقيين عن فهم القواعد الأولية لميادين معرفية من هذا النوع. خذ على سبيل المثال أنّ إنتشار مفهوم الـ "الجندر" لم يكن ليقصد منه التحذلق والتفنن بإختراع المفردات الغريبة وإنّما تم تقديمه بهدف تصحيح الأفكار والمفاهيم للبحث في الذكورة عن الأنوثة والبحث في الأنوثة عن الذكورة وبخاصة بعد هذا التدفق الهائل والتراكم العظيم في كم العلوم والمعارف بشأن جوانب متعددة في حياة النساء والرجال. بعد التغيير الذي أصاب البنية الاجتماعية والاقتصادية في عديد المجتمعات الإنسانية جراء الحروب والمعارك والصِدامات المسلحة وغير المسلحة لم تعد المرأة ذلك الكائن الرقيق المرهف والشفاف بمثل ما لم يعد الرجل ذلك البطل الأسطوري والقائد المغوار بل صار كلاهما نوعاً آخر من البشر تساوت لديهما وفيهما المشاعر والهموم. من جانب آخر، يتذمر كثير من خريجي الجامعات العراقية بمختلف إختصاصاتهم وبخاصة الإنسانية منها حول الفجوة الكبيرة التي يعانون من وطأتها بعد التخرج. فالتعليم الجامعي لا يؤهلهم لحياة عمل ناجحة وسهلة مما يؤدي بهم إلى أنْ يجدوا أنفسهم مضطرين للدخول في عمليات إعادة تأهيل لتعلم أساليب عمل تقليدية دأب الموظفون القدامى على السير بمقتضاها دون أنْ يكونوا قادرين على الإتيان ببدائل مقنعة. وهناك مسألة التعالي والعجرفة التي يبديها الكثير من المحسوبين على المؤسسة الأكاديمية العراقية بشأن المشاركة المسؤولة والحاذقة بالإعلام وصفحات الرأي في الوقت الذي تستخدم فيه المؤسسات الأكاديمية الفعالة في العالم مؤشر المشاركة في صفحات الرأي ومختلف وسائل الإعلام بإعتبارها جزءاً مهماً من دور الأكاديمي في تعزيز هدف "الجامعة في خدمة المجتمع". يذكر د ساري حنفي أنّ هناك (35) أكاديمياً فقط من مجموع (3800) أكاديمي متفرغ للعمل ممن يشاركون بصورة منتظمة في الصحافة المحلية لإبداء الرأي في لبنان. بالمقابل، بينما يقرب عدد التدريسيين المشتغلين في الجامعات العراقية من (40) ألف تدريسي بحسب احصاءات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لعام 2012 – 2013، يعملون في (29) جامعة ويخدمون (555) ألف طالبة وطالب في مختلف مراحل الدراسة الجامعية، فإنّ المساهمين في صفحات الرأي في الصحافة الوطنية لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.

 

 

التناقض بين الشعر والسلطة .. الشعر السياسي الحقيقي يرفض التبسيط والنَّمطيات السياسية
 

 
 

التناقض بين الشعر والسلطة..الشعر السياسي الحقيقي يرفض التبسيط والنَّمطيات السياسية ترجمة عادل صادق .. يمكن القول إن مقولة هانس أنزنسبيرجر المؤمنة بقوة الشعر الاحتجاجية ، "الشعر مدمّر من خلال وجوده بالذات"، التي صاغها عام 1962، قد بطلت في سياق القرن العشرين .. فهل الشعر المعاصر أعظم نقيض للسلطة أو القوة حقاً ، حسبما يأمل القائلون بذلك؟

 

 

علي الاديب يحلل .. فيتحلل
 

 
 

سهيل سامي نادر .. إذا ما تسنّى لكم الاستماع إلى محاضرة القيادي في حزب الدعوة علي الأديب التي ألقاها في معهد التقدم والسياسات الانمائية ، ستجدون أنفسكم تلتقون معه في برنامجه العام للخروج من الأزمة الحالية. وإذا ما عطلتم ذاكرتكم، وحذفتم منها التفاصيل الشيطانية، فستجدون أن مفكر حزب الدعوة هذا يقدم برنامجا يتجاوز الشعارات التي رفعها الحراك الجماهيري الاخير في المدن العراقية. في الأزمة الحالية يبدو هذا السلوك جزءاً من الأزمة نفسها: التنصل، اتهام الآخرين، وركوب موجة الاحتجاج، التقدم أمامها، والالتفاف حولها. هاكم ما يقول: "الحل لأزمة العراق قبل اتجاهها الى منعطف مجهول هو العمل على اعادة كتابة الدستور والاعتماد على الكفاءات ونبذ الطائفية ومحاربة الفساد المالي والاداري والبدء بالاصلاحات السياسية والاقتصادية وفي تقديم الخدمات وايقاف الرواتب والمخصصات والحمايات المكثفة للرئاسات والوزراء والنواب وذوي الدرجات الخاصة، وإناطة المهام الى ذوي الاختصاص من الكفاءات والاكاديميين من دون النظر الى المكون او الحزب”. هذا بالضبط ما كان هدف آلاف الكتابات النقدية في الصحافة الديمقراطية. فلماذا الآن؟ حتى لو كانت هناك موانع بعدم طرح هذا البرنامج في البرلمان او الحكومة لأي سبب، فقد كان بإمكان حزب الدعوة أن يطرحه بقوة في الشارع، كمشروع عمل ونضال، لو اعتمد مبدأ الشفافية والعلنية والتزام الصدق. فلماذا الآن، بعد أن أمسكت الحرائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بأذيال العراق؟ لا يسعنا إلا أن نعتقد أن الاديب يقوم بعملية خداع. لنذكّره بالحراك الجماهيري لعام 2011 حين استخدمت السلطة بأمر من المالكي العنف ضد الجماهير التي رفعت مطالب أقل بكثير من هذه التي يصوغها حاليا. يصوغ الأديب برنامج الخروج من الأزمة بعد أن باتت الأزمة مستعصية، نظرا لهبوط أسعار النفط وإفلاس مؤسسات الدولة بسبب الفساد والنهب. لعله اعتقد أن حالة الانسداد السياسي التي شخصها، وهي كذلك حقا، تبيح له أن يشعر أنه وحزبه غير مسؤولين عنها. والآن لا حظوا كيف أن مَن يصوغ برنامجا غير صادق تفضحه التفاصيل والتحليلات المضللة. يقول "الأحزاب والكتل السياسية عام2003 لم تكن تمتلك رؤية واضحة لموضوعة الدستور والديمقراطية، لذا اعتمدت الديمقراطية التوافقية في تشكيل الحكومة ومؤسسات الدولة التي مهدت لثغرات كبيرة أهدرت على اثرها أموال العراق". ما علاقة عدم امتلاك رؤية واضحة لموضوعة الدستور والديمقراطية بالديمقراطية التوافقية؟ وكيف نفهم أن تهدر الديمقراطية التوافقية أموال العراق وليس النظام السياسي وأخلاقية القائمين عليه؟ لا يقول الاديب إن الديمقراطية التوافقية كانت بمثابة حل جاء بعد انسداد الافق في الشروط البائسة التي كتب فيها الدستور والنظام الانتخابي ، وقيام اول انتخابات عام 2005. إنه لا يريد أن يتذكر أن هذا الحلّ كان تأسيسيا، وأنه خضع لقراءة حزب الدعوة القائد، وهو من استفاد منه أكثر من غيره، ولم يسع الى تغييره حقا. نشير إلى أن المالكي أراد حكومة أكثرية بالكلام والتصريحات، وبالعمل شكّل أكبر حكومة في تاريخ العراق بروح "توافقية"، لكنها كانت متدنية على مستوى الكفاءة المهنية والانسجام السياسي، وأثناء ذلك راح يفكك أسس التوافق السياسي في المجتمع والدولة. إن طريقة حزب الدعوة في فهم "التوافق" تتلخص بتحويل مبدأ المشاركة في السلطة إلى رشوة وتفريغ الشارع من أي عمل وطني مشترك. لنسترجع بعض الاحداث، فالجماعة السنية التي اشترطت لدخول العملية السياسية تعديل الدستور، سرعان ما ابتلعت هذا الشرط ولم تناضل من أجل تحقيقه، وبدلا من ذلك اشتركت بوليمة النهب المنظم، تماما كحزب الدعوة. إن الحزب الاسلامي العراقي، القريب من أفكار حزب الدعوة، ضرب المثل على انتهازيته السياسية، لكنه بالتأكيد لم يصل إلى مستوى حزب الدعوة، لأن الاخير كان يقود السلطة، وكان هو الذي يمسك بخيوط اللعبة السياسية، ويوزع الأسلاب على الآخرين. إن انحطاط الحل التوافقي إلى مستوى المكافأة، وما يعرف بالمحاصصة، سببه سياسي طائفي، فهو مجرد تعبير عن نظام سياسي أعد لتمثيل الطوائف. إنه تعبير عن إرادة سياسية وليس مجرد مشروع تجريبي فاشل. ولقد فشل حقا بسبب اقترانه بتعطيل بناء الدولة الديمقراطية ، وتعطيل القانون، واحتقار الحداثة، واعتماد الطوائف المسيّسة التي لا يجمعها مشروع وطني واحد. لنسترجع تفاصيل أخرى، فبعد أن فازت القائمة العراقية بفارق ضئيل، عمل المالكي المستحيل لكي يقوم هو بتشكيل الحكومة، وقد شكلها واسعة و"توافقية" استجابة للضرورة، وكافأ من خلالها كل من ساعده على إنهاء تلك الأزمة لمصلحته. في هذا المعركة التي حسمها عناده ونرجسيته واعتماده على ايران وامريكا والكرد المتوهمين المستفيدين، أدرك المالكي خطر وجود قائمة كبيرة يقودها شيعي ليبرالي بميول قومية تضم التيارات السنية كلها تقريبا. من هنا عمد الى زرع الشقاق في صفوفها وشراء ذمم بعضهم، وتلفيق تهم لبعضهم، وتقاسم المغانم مع بعضهم. إن رضوخ حزب الدعوة للتوافقية لم يكن هدفه بناء مجتمع وطني صحي، بل تفسيخ القوى السياسية ، وإشراكها بالوليمة، وزرع أساليب انتهازية وانشقاقية بينها. إن واحدة من أكثر سلوكيات المالكي ضيقَ أفقٍ أنه دفع السنة إلى مهالك التطرف والتفاهة السياسية، وبدلا من مساعدتهم على تلمس تجربة وطنية عابرة للطوائف، يسهم فيها الجميع، وتتفكك في داخلها العصبويات الطائفية والجهوية والعشائرية، أرادهم تماما في بؤرة قاتلة، مفككين، يبحثون عن مخرج سياسي عند دول الجوار، لكي يؤلف الروايات السيئة عنهم. والآن نحن نعرف ماذا حلّ بالسنة، فقد باتت مدنهم ومناطقهم مكانا للقتل، ومحاصرين بداعش والمليشيات وبسياسييهم المزعومين الكذابين، وبرجال دينهم الذين أفلتوا الزمام. فإذا لم يسع حزب الدعوة الى هذه النتيجة حقا، فإنه ساعد على تحقيقها بالتآمر ووضع العقبات واعتماده سياسة طائفية ضيقة الأفق. الحقيقة أن المالكي أراد دائما جماعة سنية تقترب أفكارها من الحزب الاسلامي الشبيهة بأفكار حزب الدعوة، بعيدا عن الاتجاهات الليبرالية او العلمانية، فهو يبرر نفسه بهم كقائد حزب شيعي، كما هو الحزب الاسلامي الذي يبرر مشروعه السياسي الدعوي كحزب سني، بصرف النظر عن المبادئ الاسلامية العريضة في العدالة والمساواة. إن الطائفي يصنع طائفيا آخر، بل يحتاجه. إن سلوك المالكي ليس غريبا عن سلوك شخصية محمد مرسي الاخواني، فالأخير بعد أن انتخبه الكثير من الليبراليين خلاصا من حكم العسكر، فرّ من سلوكه وغبائه جميع مستشاريه الليبراليين، لأنه ببساطة أعمى قلب وعقل، يفضل إسلامياً جاهلا على مهني خبير يعمل لمصلحة بلده. والمالكي الذي تحدث عن دولة القانون الشبيهة بدولة المواطنين الاحرار، حوّل القانون الى مطية حزبية. لا فرق، فهؤلاء الذين سيّسوا الدين أثبتوا أنهم بلا مبادئ ولا أخلاق، وأن عقولهم موجهة الى الماضي وليس الى المستقبل. ثمة أفكار مثيرة نسمعها من علي الأديب، ترجع صدى المفاصل المتيبسة للنظام السياسي والكلام غير الصادق الذي يتغطى برداء وطني. فهو يحمل الولايات المتحدة الاميركية مسؤولية تثبيت نظام المحاصصة في العراق وبناء ديمقراطية هشة. وإذا كنت مثله أنتقد الولايات المتحدة لأسباب شرحتها في كتابات عديدة ، فهو ليس مؤهلا لكي يميز بين ديمقراطية حقيقية وأخرى هشة، وهو نفسه من صرّح بأن حزب الدعوة يؤمن بالديمقراطية كآلية، أي أنها ليست نظاما ولا ثقافة ولا سلوكا، بل مجرد صندوق انتخابي – الصندوق الذي ذهب اليه العراقيون قبل أي اصلاح، وقبل أن توجد سلطة، لتتمخض عنه استيلاء مجموعات طائفية وأثنية جائعة للسلطة والمال. ليست المحاصصة نتاج التوافق بل نتاج الفساد والمحسوبية، نتاج التواطؤ لا التوافق. أما هشاشة الديمقراطية العراقية فتكمن بنظام سياسي لا يعتمد على الكفاءة والقانون والعدل. إن هشاشة النظام السياسي غير مرتبطة بالديمقراطية، بل بالتأجيل المتعمد لبناء الدولة، وأكثر من هذا، بتفضيل الهشاشة بالذات، لأنها تيسّر للسياسيين سرقة المجتمع والدولة بحرية. يشير الأديب الى مسؤولية أميركا في كتابة الدستور.. يقول إن “الدستور العراقي الحالي هو نسخة مطابقة لقانون ادارة الدولة العراقية الذي وضعه بريمر، الذي كانت فيه مجاملة واضحة للكرد لما قدموه من خدمات للقوات الاميركية حين احتلال العراق، وشدد على تسمية المكونات العراقية وضرورة وجود توازن فيما بينها عند تشكيل الحكومة والجيش والقوات الامنية". إننا نعرف، وهذا ما لاحظه الاديب في محاضرته، أن الدستور كتب بسرعة قياسية لا يقرها اي قانوني يحترم نفسه، والسيد المالكي كان عضوا فعالا في لجنة كتابته، مع الكثير من المستعجلين وملفلفي البرامج والسياسات من الكرد والسنة والهامشيين، وها هو الأديب لا ينتقد الدستور الا من جانب مجاملة بريمر للكرد، ولا يشير إلى ألغام هائلة نتجت عن كتابته بسرعة، وعدم مناقشته من قبل المواطنين. ويواصل الاديب نقده: “عملية حل الجيش العراقي والقوات الامنية، وبناء جيش جديد على أساس التطوع، عملية افرغت العراق من هيبته وجعلته هدفا لكل طامع وجردت السلطة القضائية من قوتها والحكومة من ادارة مؤسساتها وشجعت على بروز الميليشيات المسلحة التي ما زالت تتحكم بحلقات كبيرة في الدولة ونمت السلطة العشائرية وأعادت العراق الى عصر حكم القبيلة”. لا نستطيع الا أن نوافق.. لكن في أي مراجعة سياسية سنجد أن حزب الدعوة كان الشريك الأكثر فاعلية في هذه العملية. إن أول شخص سمح للمليشيات بالعمل هو المالكي، وهو نفسه من سلّح العشائر. إن 8 سنوات من حكمه تشكّل وحدها الماضي السياسي لكل المعاصي والمخالفات التي راح الأديب يكتشفها.

 

 

حكم العوائل!
 

 
 

د.لاهاي عبد الحسين .. على الرغم من تخلي الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إدارة أعماله الخاصة لصالح ولديه وبوصاية قانونية بغية تهدئة المشاعر بشأن موضوعة التداخل بين مشاريعه الخاصة من جانب وشؤون السلطة والحكم من جانب آخر، الا أنّه لم يسلم من الإنتقادات الحادة والمعبرة عن القلق بشأن موضوع آخر لا يقل أهمية وهو الذي يرتبط بمدى تدخل العائلة في الحكم والسلطة وبخاصة بعد قيامه بتعيين إبنته وصهره مستشارين في البيت الأبيض، وإنْ كان بلا راتب. معلوم إنّ منع التداخل بين العائلة والحكم يعتبر أحد أهم القواعد المرعية على مستوى الحياة السياسية في الدول الديموقراطية الحديثة. ومازال الجدل قائماً بشأن إحتمالات تدخل العائلة بقضايا الحكم حتى إنّه أدى إلى إستقالات مهمة منها إستقالة رئيس الهيئة الأخلاقية الحكومية التي تعنى بالجوانب الأدبية لأداء المسؤولين إحتجاجاً على قرارات الرئيس الأميركي، إلى جانب جهود منظمة للتحشيد ضد الرئاسة ليس فقط من جانب الحزب الديموقراطي بل ومن جانب الحزب الجمهوري الذي يمثله الرئيس. في المنطقة العربية، يذكر أنّ جدالات مماثلة دارت قبل أكثر من عقدين من الزمان على نحو مكتوم في الغالب بشأن قيام عدد من رؤساء الدول العربية ذات الأنظمة الجمهورية مثل ليبيا ومصر وسوريا والعراق بتقديم الأبناء كمرشحين محتملين لوراثة الحكم. في الحالتين، إرتكز الجدل على فكرة إستهجان التلاعب بأحد أهم قواعد الحكم الرشيد في ظل أنظمة سياسية تقوم على بيروقراطيات راسخة أو يراد لها أنْ تترسخ أكثر لتكون أكثر حيادية وأكثر رسمية وأكثر بعداً عن الجوانب الشخصية أو ما نسميه في العراق، المحسوبية والمنسوبية. ما قام به الرئيس الأمريكي ليس بالضرورة من الأمور غير المسبوقة في الولايات المتحدة. فقد سبق للرئيس بيل كلنتون أنْ منح زوجته السيدة هيلاري كلنتون مرشحة الحزب الديموقراطي في الإنتخابات السابقة صفة رسمية خولتها حق حضور إجتماعات البيت الأبيض. إلا إنّ ما فعله الرئيس ترامب تجاوز قواعد راسخة في مؤسسات العمل الأميركية خاصة وأنّه يعنى بالدائرة الأكثر أهمية في حكم البلاد، بنية الرئاسة. لقد دأبت مؤسسات العمل الأميركية والغربية عموماً على تقاليد تمنع منعاً باتاً التداخل بين الخاص والعام، وعلى مختلف المستويات. على سبيل المثال، لا يحق لتدريسي أنْ يشرف على بحث أو يقوم بتصحيح دفتر امتحاني لأي من أفراد عائلته، زوجاً كان أو بنتاً أو ابناً، أو أخاً أو أختاً، إلخ. وإذا ما أضطر أحد هؤلاء للدخول في مادة علمية لا خيار له/لها فيها إلا أنْ يأخذها كجزء من متطلبات الحصول على شهادة علمية معينة، فيصار إلى تشكيل لجنة رسمية تقوم بأداء المهمة تفادياً لإحتمال تداخل المشاعر والصلات العائلية والقرابية مما قد يؤدي إلى "تفضيل" غير مسموح به. وكذلك، لا يحق لأحد أنْ يدخل في مقابلة أو لجنة يعمل فيها أحد أقاربه وبخاصة الأقارب من الدرجة الأولى كالزوجة والزوج أو أحد الأبناء. ولم تأل المؤسسات والمشتغلين في مختلف مجالات العمل في هذه البلدان جهداً للتأكيد على وحماية قواعد من هذا النوع. بالمقابل ونتيجة الجهود المكثفة والمنظمة لمؤسسات الفكر وحماية الديموقراطية فقد وضعت تشريعات تسمح لأعضاء الجماعات المهمشة كالنساء والجماعات العنصرية والعرقية على إختلافها للدخول في منافسات تسّهل أمر إنخراطها في أي مجال بما في ذلك المؤسسات الأكاديمية المرموقة ومؤسسات العمل المعروفة بمزاياها المبهرة، بغية الإرتقاء بهدف تحقيق وتعميق العدالة والمساواة بين المواطنين. المشكلة ليست في الولايات المتحدة الأميركية فهذا بلد دستوري يمتلك من الإمكانات والمستلزمات ما يمكنه من مواجهة تجاوزات من النوع التي يرتكبها الرئيس ترامب أو غيره من المسؤولين وعلى كافة المستويات. ففي بلدان من هذا النوع لا حصانة لأحد من الحساب ولا أحد فوق القانون، على الإطلاق. المشكلة لدينا هنا في العراق حيث نشهد تصاعداً غير مسبوق لتقديم الأبناء والبنات للدخول في العملية السياسية ومن الأعلى وليس بحسب التطور الطبيعي للتغلغل والصعود من الأسفل إلى الأعلى وبأسلوب علني وشفاف. منذ عام 2003 وحتى الآن لم يكتف الكثير من المشتغلين في العملية السياسية في الإستيلاء على السفارات والقنصليات العاملة في الخارج من خلال تعيين أبنائهم وأصهارهم مع أنّ هؤلاء مقيمين دائمين وفي الغالب مواطنين حصلوا على جنسية البلدان التي يعملون فيها كما في سفيرة العراق في الأردن السيدة صفية السهيل التي تحمل الجنسية الأردنية أو ابن الشيخ خالد العطية الذي يعمل موظفاً في السفارة العراقية في لندن، أو خضير الخزاعي الذي عين ابنته وزوجها في السفارة العراقية في تورنتو، كندا وهكذا حتى لكأنّ العراق خلا من الأشخاص المؤهلين من ذوي الخبرة والكفاءة، خارج الدوائر القرابية والمحظية من قبل المشتغلين في العملية السياسية. ويحدث ما يشبه هذا في سفارات عراقية في دول متقدمة أخرى مثل فرنسا وبلجيكا واسبانيا وإيطاليا وهولندا وغيرها. بل وإمتد التلاعب ليطال معهد الإعداد الدبلوماسي الذي صار مطبخاً لتدريب وتأهيل أشخاص معينين يحظون بالقرابة من هذا المسؤول أو ذاك. ومع أنّ هؤلاء المسؤولين مطلعون على قواعد العمل ويعرفونها جيداً من النواحي النظرية الا إنّهم يستخدمونها بطريقة فيها الكثير من المجافاة لروح الفكرة والهدف الذي وضعت من أجله. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً أخبار تقديم عدد معين من الأشخاص المعروفين بعلاقة عائلية واضحة ومحددة ليتوسموا مناصب أعلى وأكثر أهمية كما في "سارة" التي كلفت برئاسة اللجنة التنسيقية لحزب الوفاق الوطني الذي أسسه ويتزعمه حتى اللحظة والدها الدكتور "أياد علاوي". وهناك أنباء عن ترشيحها لمنصب رئاسة الوزراء! وشكلت "شيرين" إبنة السيد فؤاد معصوم، رئيس الجمهورية مؤسسة بعنوان "أنا وطن" ترأسها تنفيذياً بمعية أحد الأشخاص الذي يعمل مستشاراً في هيئة الرئاسة تمهيداً لخوض الإنتخابات النيابية القادمة في العراق، مطلع العام المقبل. وقبل أيام سمعنا عن "أحمد" إبن السيد عمار الحكيم إلى جانب "أحمد" إبن السيد نوري المالكي وهكذا تدور الماكنة، أيضاً تمهيداً لخوض الإنتخابات. من وجهة النظر الاجتماعية، تتداخل مصالح المشتغلين في ثلاث دوائر رئيسية في المجتمع هي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغالب مما يمكنهم من أنْ يكونوا أكثر قوة وأكثر تسانداً وأكثر تكاملاً. ولكننا هنا في العراق نريد كما يبدو إثبات خطأ هذه المسلمة العلمية ليحل محلها هيمنة دائرة واحدة لا غير هي دائرة المشتغلين في العمل السياسي حيث السلطة والهيمنة والجبروت. يراد لهذه الدائرة أنْ تعمل وتكون الوحيدة بلا منافس حتى تتمكن من أنْ تعيد إنجاب نفسها بنفسها من خلال القيام بكل الأدوار الثلاثة المشار إليها مرة واحدة وبلا مساعدة من أو تفاعل مع الأطراف الأخرى تأسيساً لتفردها وبالتالي تحقيق دكتاتوريتها. فهم يغرفون من هذه الدائرة، الدائرة السياسية ليستمدوا مصادر رزقهم مستفيدين من التسهيلات والإعفاءات وحزمة المزايا والإمتيازات التي تتمثل برواتب خيالية بالقياس إلى مستوى المعيشة في البلاد. ويستمتعون بالراحة والطمأنينة والأمان لتوفر رواتب تقاعدية مجزية تضمن لهم ولأبنائهم وأحفادهم حياة آمنة ورغيدة. وهم يمارسون نشاطاتهم الاجتماعية في عزلة تكاد تكون تامة عن بقية قطاعات المجتمع ليفتتحوا الصالات والمؤتمرات وورش العمل ويعقدوا اللقاءات مع بعضهم البعض وغير هذا الكثير. واضح إنّنا بحاجة إلى تشريعات تضع حداً لهذه التجاوزات التي تؤسس لحكم عائلي فاشل، بالطبيعة. وليتذكر المستلهمون لتجارب البعض أنّ ما يحصل في بلدان دستورية تقوم على مؤسسات عمل راسخة وتحكم بقبضة القانون الصارمة ومنظومة التعليمات وقواعد العمل المكتوبة والخاضعة للمراقبة والتدقيق شيء، وما يفعلونه بتبسيط وتسطيح الأمور شيء آخر مختلف تماماً عما يحصل في بلداننا العائلية والقرابية والقبلية. إذا كنت تريد أنْ تفهم ما جاء في الكتاب، لا تكتف بقراءة العنوان بل عليك أنْ تقرأه من الغلاف إلى الغلاف.

 

 

الموصل والمهام الوطنية
 

 
 

د.وثاب السعدي سياسي وقانوني عراقي بعد ان مرت الاحتفالات بأكبر نصر على العصابات الإرهابية الاجرامية لداعش وحلفائها في الموصل وهو بلا شك مفتاح هزم داعش وجميع قوى الإرهاب المتوحش في المنطقة، علينا ان نتأمل مليا ظروف وتبعات هذه الأحداث المريرة. في البداية من المهم والاساسي استذكار مجموعة من الامور التي يطرحها ابناء العراق ولا يجدون لها اجوبة حاسمة او اجماعا واسعا، برغم انهم يتفقون على شروطها الاساسية.

 

 

سانت ليغو المشوّه بصيغة (1.9) مخالف لاحكام الدستور
 

 
 

هادي عزيز لم يدر في خلد عالم الرياضيات الفرنسي اندريه سانت ليغو ان طريقته لتوزيع المقاعد الانتخابية في الدوائر المتعددة المقاعد النازعة نحو فسح المجال للمواطنين وفي مختلف توجهاتهم للمشاركة في الشأن السياسي، سوف يصيبها التشويه من قبل أصحاب المصالح وأن هذا التشويه سيؤدي الى حرمان كثير من المواطنين من حقوقهم الدستورية، ولو كان فكّر في هذا لما استمرّ بمشروعه المنحاز للانسان. على مدى الاربع عشرة سنة الماضية درج القابضون على السلطة في البلاد على انتاج تشريعات فصلّوها على مقاساتهم من اجل البقاء في السلطة واكمال مشروع الخراب المتواصل منذ سنة 2003 الى يومنا هذا. وبمجرد شعورهم ان الحراك الشعبي الذي شهده العراق يمكن ان يساهم في تغيير المشهد السياسي شحذوا هممهم للوقوف في وجهه وتعويقه بشتى السبل، والتشريع أحد هذه السبل، حتى لو كانت تلك السبل مشوهة أو ممسوخة مادامت تحقق اهدافهم. لا نحتاج الى جهد معرفي كبير او المام واسع بفقه القانون الدستوري لكي نتمكن من الوقوف على إنصراف إرادة المشرع الى تمتع المواطن بحق المشاركة في الشأن السياسي فـ : (( المواطنون رجالا ونساء ، حق المشاركة في الشؤون العامة ، والتمتع بالحقوق والتصويت السياسية ، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح))، وهذا نص دستوري تضمنته احكام المادة (20) من الدستور، وهو من القواعد الدستورية الآمرة التي تحكمها أحكام خاصة يحظر على السلطة التشريعية المساس بها او الاقتراب منها، لأن من اثار مشاركة المواطنين في الشؤون العامة هو التداول السلمي للسلطة، وان ذهاب السلطة التشريعية الى طريقة سانت ليغو المشوهة من امراء المحاصصة والمنافع والمصالح بصيغة (1.9)، يعطل احكام مشاركة المواطنين في الشأن العام ، ويحول دون وصولهم الى المقاعد التمثيلية، ويوقف واحدة من القواعد العامة المتعلقة بتداول السلطة ، ويحتكر السلطة للون معين من اطياف الوجود السياسي ، اي ان بقاء هؤلاء في السلطة ولدورات انتخابية متعددة والاصرار على بقائهم فيها هو شرعنة لاحتكار السلطة المؤسسة للنظام الاستبدادي ، وهذا ما تتضح ملامحه في العديد من الانشطة السياسية. ان منع المواطنين من المشاركة في السلطة بموجب تشريع مخالف لاحكام الدستور يعني ان السلطة التشريعية تصدر تشريعات محكوم بعد دستوريتها . اي ان القانون المذكور يعطل احكام المادة (20) من الدستور . عندما تسأل اي شخص من زعماء المحاصصة عن الاسباب التي دفعتهم الى اعتماد سانت ليغو (1.9) في توزيع المقاعد التمثيلية ، فان الجواب يأتيك سريعا وجاهزا بالقول : ان سانت ليغو الاصلي جاء باشخاص من التيار المدني عطلوا اداء مجالس المحافظات في الدورة الانتخابية الحالية ، فضلا عن كونهم سببا في انقسام تلك المجالس.. سريعة هي الأجوبة إذن وسريع ان ترمى آثامك على اكتاف الاخرين ، فهم على علم ويقين اين يكمن سبب الانقسام ، وهم من يمتلك اسباب تعطيل المجالس تلك ، وهم من وضع المصالح والمنافع اولا بغية القبول بمواصلة تلك المجالس اعمالها غير النافعة للناس، وهم العارفون بميزانيات ومقاولات وقومسيونات المجالس تلك ، وهم العارفون ايضا ان تمثيل التيار المدني مع محدوديته لا يصلح مطلقا ان يكون سببا للتعطيل والانقسام ، فضلا عن ان المصالح والمنافع مفردات لم توردها قواميس التيار المدني، ولكنها الخشية من توسع هذا التيار مما يؤدي الى تغيير الخارطة السياسية. وحيث إن الامر كذلك فان لديهم اسبابهم للعمل على تعطيل حركته والحيلولة دون حيازته على مواقع في المجالس التمثيلية، خاصة وإن الاحتجاجات المستمرة كشفت افلاس الطبقة السياسية الحالية وزيف مزاعمها. ومن اجل الاطلاع على توزيع المقاعد التمثيلية حسب طريقة سانت ليغو فيما لو بدأت بالرقم (1) او (1,3) و او ( 1,5) او ( 1,9) نبينها تفصيلا بالشكل الاتي : ندرج جدولاً يتضمن احتساب طريقة سانت ليغو التي تبدأ بـ 1 , 3 و 5 ولنفترض ان المقاعد المخصصة لهذه المنطقة الانتخابية خمسة مقاعد وعدد المصوتين 77000 لنتمكن من الوقوف على مدى مساهمة التنظيمات الصغيرة في المقاعد التمثيلية وبالشكل التالي : اسم الحزب عدد اصواته القسمة على 1 القسمة على 3 القسمة على 5 عدد المقاعد حزب ديني1 35000 35000 11666 7000 2 حزب ديني 2 21000 21000 7000 4200 1 حزب يساري 11000 11000 3666 2200 1 حزب مدني 10000 10000 33333 2000 1 مجموع الاصوات 750000 5 التوزيع : اعلى الارقام يأخذ المقعد الاول الذي هو 35000 الحزب الديني 1 . ثاني أعلى الارقام يأخذ المقعد الثاني الذي هو 21000 العائد للحزب الديني2 , ثالث اعلى الارقام الذي هو 11666والعائد للحزب الديني1. رابع اعلى الارقام هو 11000 يعود للحزب اليساري . خامس اعلى الارقام 8000 العائد للحزب المدني يأخذ المقعد الخامس , وبموجب توزيع المقاعد هذا الذي يبدأ بالقسمة على (1) يساهم الجميع في الشأن العام ويتحقق واحدا من المباديء الدستورية , وهو التغيير المطلوب للمشهد السياسي . الآن نفترض ان سانت ليغو يبدأ القسمة باالرقم 1.3 , 3 , 5 .... ونجري عملية القسمة بعدد الاصوات البالغة 7700 وذات المقاعد والاحزاب نفسها، من اجل الوقوف على ما يحصل عليه كل حزب من المقاعد التمثيلية وبالشكل التالي : اسم الحزب عدد اصواته القسمة على 1.3 القسمة على 3 القسمة على 5 عدد المقاعد حزب ديني1 35000 26923 11666 7000 2 حزب ديني 2 21000 16153 7000 4200 1 حزب يساري 11000 8461 3666 2200 1 حزب مدني 10000 7692 3333 2000 1 عدد الاصوات 77000 5 التوزيع : أعلى الاصوات 26923 للحزب الديني 1 يأخذ المقعد الأول . أعلى الاصوات الذي يليه هو 16152 للحزب الديني 2 . ثالث أعلى الاصوات 11666 للحزب الديني 2 فيكون له المقعد الثاني . أما رابع أعلى الارقام فهو الرقم 8461 العائد للحزب اليساري فيكون له مقعد . يليه أعلى خامس رقم فهو للحزب المدني فيكون له مقعد واحد، وتتحقق ذات النتيجة في المثال الاول من حيث التمثيل . واذا افترضنا ان طريقة سانت ليغو تبدأ بالقسمة على الرقم 1.5 وعدد المقاعد في المنطقة الانتخابية خمسة وعدد المصوتين 77000 , فهل يحتفظ سانت ليغو بالغرض الذي من اجله وضعت هذه الطريقة وهل تتمكن الأحزاب الصغيرة من المساهمة في الشأن العام ؟ اسم الحزب عدد الاصوات القسمةعلى 1.5 القسمة على 3 القسمة على 5 عدد االمقاعد حزب ديني1 35000 23333 11666 7000 3 حزب ديني 2 21000 14000 7000 4200 1 حزب يساري 11000 7333 3666 2200 1 حزب مدني 10000 6666 3333 2000 صفر عدد الاصوات 77000 5 التوزيع: أعلى الاصوات 23333 العائدة للحزب الديني 1 يليه الرقم 14000 للحزب الديني 2 وثالث الارقام هو 11666 العائد للحزب الديني 1 ورابع الارقام هو 7333 العائد للحزب اليساري وخامس أعلى الارقام هو 7000 الموزع بين الحزبين الدينيين 1و2 يعطى حسب ما ينص عليه القانون في حالة التساوي ولنفرض ان الترجيح لأعلى الاصوات فيكون للحزب الديني1 . ولا تمثيل للحزب المدني لأن بداية القسمة على 1.5 حرمته من ذلك . أما تطبيقات الرقم 1.9 الذي يريده مجلس النواب الآن فعند تطبيقه على منطقة انتخابية من خمسة مقاعد وعدد المصوتين 77000 تكون القسمة بالشكل التالي : اسم الحزب عدد اصواته القسمة على 1.9 القسمة على 3 القسمة على 5 عدد المقاعد حزب ديني 1 35000 18421 11666 7000 3 حزب ديني 2 21000 11052 7000 4200 2 حزب يساري 11000 5789 3666 2200 صفر حزب مدني 10000 5263 3333 2000 صفر مجموع الاصوات 77000 5 التوزيع :أعلى الارقام هو 18421 العائد للحزب الديني 1 ، يليه أعلى رقم 11666 العائد للحزب الديني 1 ، وثالث أعلى رقم 11052 العائد للحزب الديني 2 ، ورابع أعلى رقم هو 7000 لكل واحد من الحزبين الدينيين فيأخذان المقعدين المتبقيين ولا مقعد للحزب اليساري أو للحزب المدني. وهذه هي ذات النتيجة التي حصلت عليها الاحزاب الحاكمة قبل الحكم بعدم دستورية الفقرة (رابعا ) من المادة (3) من القانون رقم 26 لسنة 2009 المعدل لقانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2004 المحكوم بعدم دستوريته بحكم المحكمة الاتحادية العليا رقم 12 / اتحادية / 2010 ، اي أن السلطة التشريعية لم تكتف بمخالفة الدستور بل خالفت كذلك حكم المحكمة الاتحادية العليا الملزمة أحكامها للكافة. ولو ان السلطة التشريعية جعلت سانت ليغو بقسمته على (1) او (1.3) لتمكن الحزب اليساري من الحصول على مقعد واحد وكذلك الحزب المدني.

 

 

ما الذي يقلقكم في الألحاد !
 

 
 

د.لاهاي عبد الحسين .. مع أنّ الإلحاد كظاهرة عامة وشاملة ومنظورة على نحو ملموس لا وجود لها واقعياً ومادياً وبالتالي علمياً في المجتمع العراقي وغيره من المجتمعات الإنسانية المعروفة في العالم وليس فقط العالم الإسلامي أو المسيحي واليهودي الا أنّها ينبغي ألا تقلق أحداً. فالمجتمعات الإنسانية على وجه العموم مجتمعات مؤمنة وليست ملحدة، ولكنّ الإيمان يأخذ لديها أشكالاً شتى. لا ينطبق هذا فقط على المجتمعات التي تعترف بالديانات السماوية الثلاث المعروفة، الإسلام والمسيحية واليهودية وإنّما ينطبق أيضاً على المجتمعات التي لا تتبع مثل هذه الديانات كما في الصين واليابان والهند حيث تنتشر البوذية والهندوسية والزرادتشية إلى جانب مجتمعات أصغر حجماً تدين بعشرات الديانات الأخرى وتعيش ضمن ثقافات فرعية كثيرة وتقيم في مجتمعات كبيرة حاضنة في القارتين الآسيوية والأفريقية، على وجه الخصوص. من جانب آخر، يعبر الإلحاد عن موقف فلسفي يمايز بين التسليم بمرجعيات عظمى مطلقة من ناحية والإعتراف بالدور المباشر والعملي للإنسان الفرد بإعتباره جوهراً أصيلاً بحد ذاته وأنّه يمتلك الإرادة والعقل ليتصرف ويتحمل المسؤولية تجاه تصرفاته وأفعاله، من ناحية أخرى. لعل من المفيد والعملي التوقف عند فكرة الإيمان بهدف فهم فكرة الإلحاد على نحو أفضل وفق منهج مقارنة النقيضين. فالإيمان أوسع بكثير من الدين لأنّه يعني أنْ تؤمن بمنظومة واسعة ومفتوحة من الأشياء يمثل الدين أحد مصادرها. قد يكون الإيمان علمياً أو سياسياً أو ميدانياً أو فكرياً وما إلى ذلك. الإيمان بالشيء يعني الإعتقاد به والإعتقاد كلمة عن الحقيقة تؤخذ كما لو أنّها صحيحة ومسلّم بها. يختلف الإيمان هنا عما يعنيه على صعيد القيم. فالقيم إعتقادات تقوم على حكمٍ من نوع ما. كأنْ يكون الشيء حسناً أو سيئاً. أما الإيمان ففكرة مختلفة تؤخذ كما لو أنّها الإجابة الملائمة والتي يمكن أنْ تكون قطعية ونهائية ومطلقة. الإلحاد عكس الإيمان لأنّه يعني ألا يؤمن الإنسان بشيء لا يستطيع أنْ يلمسه ويعرفه ويتحقق منه. وهذا ما تفعله كل المدارس والمؤسسات والجامعات الأكاديمية ومراكز البحث العلمي بل وحتى المرجعيات الدينية والشخصيات المهتمة بهذا الشأن على مستوى الممارسة اليومية لإدارة شؤون العباد. لا تشغل بالك بفكرة لا تستطيع التحقق منها بالدليل العلمي المحدد والملموس والخاضع للمقاييس الدقيقة لأنّ ما تفعله في هذه الحالة يعتبر ضرباً من ضروب التأمل الذي لا منفعة فيه. بل فكر بما تستطيع التحقق منه مادياً وعملياً. هذه هي النصيحة التي يتلقاها أي طالب علم مبتدئ في جامعة أو مؤسسة أكاديمية تحترم قواعد البحث العلمي المتعارف عليها وتسير وفقها. وعلى غرار ذات النهج نستطيع تصور النصيحة التي يسديها رجل الدين للمؤمنين المتطلعين إلى رسالته بأنْ يكونوا مثلاً صادقين وطيبين ومتسامحين ليس فقط مع أنفسهم وفي نواياهم وإنّما في تفاعلاتهم الجلية وغير المستترة مع الآخرين من النظراء والأقران والزبائن والأتباع. لقد إخترق العلم كل مجالات الحياة الاجتماعية وبضمنها الدينية على إتساعها وتعقيداتها اليوم ليصبح المجس والمعيار والا كيف لأحد أنْ يثبت حسن السيرة والسلوك اللازمين لقبوله عضواً في الحاضنة الاجتماعية خارج القدرة على إثبات ذلك وإظهاره!. مما يؤسف له أنْ لحق مفردة "الإلحاد" الكثير من التشويه وسوء الفهم رغم أنّها لا تختلف عن الدينية والعلمانية والعلمية والواقعية والمادية والدنيوية وحتى المدنية بشيء بإستثناء أنّها تتسم بنوع مكافئ ولكنّه مختلف من التفسير ليس غير. ولو توقفنا عند معناها المجرد من التصورات المسبقة والمعبأة على الضد منها لوجدنا أنّها لا تتطلب كل الضجة التي تثار حولها هذه الأيام. الإلحاد يعني أنْ تضع الدين جانباً لأن الدين لكل أتباعه وهذا ما يدخل في إشكال بيّن عندما يأتي الأمر للدولة كنظام سياسي يحتكم بمعايير محددة. الدول اليوم لا تضم ضمن حدودها الجغرافية والثقافية والاجتماعية أتباع ديانة معينة دون غيرها ممن يمارسون حياتهم بطريقة تنطوي على الكثير من الروتنة من خلال العمل ومختلف الفعاليات اليومية الضرورية لهم كبشر. وإنْ حصل أنْ كانت الأغلبية تنتمي لدين رئيسي واحد فإنّ من النادر أنْ يخلو هذا الدين من المذاهب والفرق والجماعات. يصح هذا على الإسلام كما يصح على غيره من الديانات. الدول تضم في العادة أتباع ديانات ومذاهب شتى وهذه حقيقة مؤكدة في أكثر المجتمعات تجانساً خاصة إذا ما أخذنا بالإعتبار تطور نظم الإعتقادات والأفكار والتوجهات ومقدار الحرية التي كفلها التحوّل من النظم التقليدية إلى النظم الحديثة وبمعية الإنتقال إلى الديموقراطية التي إجتاحت أكثر الدول تشدداً وعنتاً. على الضد من هذا تقف الدولة الدينية بصيغتها المثالية والتي هي دولة لا حدود لها إذا ما توخينا الدقة بالوقوف على طبيعتها بحكم إنتشار مريديها في كل مكان. وهذا ما يجعل منها حسب المعايير السياسية الحديثة لما يسمى بـ "دولة المواطنة"، حالة مستحيلة. الإلحاد يعني التحرر من خرافات الدولة الدينية وخزعبلاتها. فمن منا لا يتفق مع هذا! أليس غرضنا على تنوع وجهات نظرنا وقيمنا ونظم إعتقاداتنا ومقاييسنا أنْ نسعى لخدمة الإنسان ضمن حدود الدولة التي نعيش فيها بإعتباره الغاية والوسيلة معاً! من يعارض هذا! أليس هدف الدين تصحيح مسارات الحياة الدنيا وتحقيق العدالة والسلامة والأمان للجميع! بالنهاية، فإنّ هدف الدين العودة بالإنسان إلى الأرض وتحقيق جنته هنا والآن ليزداد المؤمنين فيه إيماناً وإتباعاً وإنقياداً. كانت تلك هي الفكرة التي بررت إرسال الرسل ونشر الأديان للحث على محبة الله والإيمان به مما تطلب البحث عن أصدقائه ومحبيه ومحاربة أعدائه والكافرين بنعمته. إنّهم البشر ممن يحتاجون لرحمة الله لهدايتهم وتصويب مساراتهم وليس غيرهم. لقد إعترى العالم والأمم والجماعات الكثير من التأويل والتفسير والآراء ووجهات النظر التي لم تبتعد عن الحذلقة والتفيقه حتى إختلطت الأمور وضاعت في لجّتها الحقيقة الصافية المجردة في أحايين كثيرة. الخالق ليس بحاجة إلى مساعدة أحد بل الإنسان هو الذي يحتاج إلى المساعدة وعليه فإنّ العودة إلى الإنسان هي التي يفترض أنْ تكون الغاية المطلوبة. وهذا ما يقوله ويطالب به الملحدون المؤمنون، إنْ وجدوا. يبقى السؤال من يدعي الوصاية على بني البشر ليوصمهم بالإيمان أو الإلحاد. لا أحد يمتلك هذا الحق. في الحقيقة فإنّ للحديث في شأن ما أنْ يساهم بولادته. كيف يصار إلى الإتهام بالإلحاد ومن الذي يمتلك سلطة في هذا المجال وبخاصة في مجتمع تمارس الملايين فيه الطقوس الإيمانية! نقول الطقوس الإيمانية وليس الدينية من حيث أنّ لهؤلاء المؤمنين دوافع شتى ولكنّهم بالنهاية مؤمنون وليسوا ملحدون. من الذي يتحمل مسؤولية محاربة المخدرات التي تفتك بأجيال من العراقيين ومن الذي يعالج مختلف المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الفساد المالي والإداري والحرب والنزاعات وفي مقدمتها النزوح والهجرة والتجاوز على القانون وعدم إحترام هيبة الدولة. على الباحثين عن مبررات للتلاعب بتوجهات الناس وآراءهم لأغراض ضيقة معروفة مثل التحضير للإنتخابات بهدف البقاء في السلطة أنْ يبحثوا عن حجج أكثر إقناعاً. فقد تعلم المواطن العراقي الكثير من خيباته ولم يعد ينطلي عليه شيء. أمامنا إستحقاقات وطنية للمحافظة على ما تبقى من بصيص أمل لنعود ويعود العراق واحة للحضارة والتقدم والبناء ولا بديل في هذا عن إحترام وعي المواطن وذكاءه والإبتعاد به عن الأفكار التبسيطية السهلة التي تتكشف بسهولة. أنجبت المجتمعات المسؤولة قادة ومفكرين ولم تكتف بدور الدعاة والخطباء والممثلين لتحقيق التغيير وقد آن الأوان ليحصل هذا في العراق.

 

 

رفض مشروع قانون الانتخابات دليل على نزعة التسلط والاستهانة بالرأي الآخر
 

 
 

أ.د. علي كاظم الرفيعي

رئيس التحالف المدني الديمقراطي

نقاش عام.. قانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات

 

 

هل المناداة بنظام الأغلبية الانتخابية يفضي إلى حكومة مستبِدّة ؟ (2-2)
 

 
 

هادي عزيز علي

نقاش عام.. قانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات نشرت صفحة "آراء وأفكار" في الاول من آذار الحالي ( العدد3865) جملة ملاحظات أعدّها رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات سربست مصطفى رشيد.

 
  • المجلس العراقي للسلم والتضامن يقيم طاولة حوارية حول تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959
  • حول مشروع قانون التأمينات الاجتماعية
  • قانون التأمينات الاجتماعية بصيغته الحالية .. لمصلحة من ؟؟
  • تعـــــزية
  • تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق
  • الغارديان: عودة أميركا وبريطانيا إلى العراق اعتراف بالفشل الماضي والحل ابعد من ذلك
  • الغارديان: العراق الذي نعرفه لم يعد موجوداً "الكونفدرالية" آخر الحلول الممكنة
  • نيويورك تايمز: العراق يبغض المسلّحين الإسلاميين لكنّ الحدّ من أعمالهم يبدو ضعيفاً
  • نيويورك تايمز: تمسّك المالكي بولاية ثالثة يضعه في مواجهة مع النجف
  • نيويورك تايمز: الهزيمة في العراق هي خطأ أوباما والجمهوريين والمالكي
  • قانون الكسب غير المشروع لسنة 1958 نافذ المفعول حتى الآن
  • في الزمن الديمقراطي .. تضاعف حالات الانتحار في العراق !

  • الفقرات الخلافية في مشروع قانون الأحوال الجعفري
  • فـــي ورشـــة عمـــل .. مـبررات قائمــة لقوانــين الضـــمان الاجتماعــــي والصـــــحي
  • تشكل الوعي الاجتماعي للطلبة والشباب
  • الاديان الجديدة
  • مصادر تمويل القانون بين مجلس النوّاب وقرارات المحكمة الاتحادية العليا
  • اقتراح تعديل قانون الأحوال الشخصية.. شرعنة لعراق منقسم
  • داعش والالحاد
  • بمناسبة اليوم العالمي للرواية العربية «سلام حربة» في ضيافة «البابلي»
  • فصل من كتاب..فروغ فرخزاد.. حين يتحول الشعر إلى نوافذ مشرعة للعشاق
  • عازف بري
  • تأملات شتوية عابرة في المسألة التشيخوفية
  • ميسون الباجه جي تفوز بجائزة أفضل مخرجة في منطقة الخليج عن “كل شي ماكو”
  • المجلس العراقي للسلم والتضامن ينعى الرئيس جلال طالباني
  • تهنئــــــــــة
  • تعزية
  • بلاغ .. اجتماع هيئة رئاسة المجلس العراقي للسلم والتضامن
  • حين ضيع الوهم اخر فرصة لقاء مؤجل مع عزيز محمد


  • الدستور العراقي الدائم



    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


    ميثاق الأمم المتحدة


    السيرة الذاتية للسيد بان كي مون الأمين العـام الثامن للأمـم المتحـدة


    نداء المجلس العراقي للسلم والتضامن للشعب العراق حول الطائفية والتهجير والقتل على الهوية 20-12-2006


    "مجموعة دراسة العراق" ما هو عملها ومن هم أعضائها