|
 |
| |
نتاجات ابداعية: الفصل والوصل
|
|
| |
ياسين النصيِّر:- لقد أريد بموضوع أدباء الداخل والخارج أن يكون بنغمة سياسية، تغذي نزعات شوفينية ودينية وطائفية، وهذا مرفوض جملة وتفصيلاً، إذ ليس بين الأدباء العراقيين من فواصل حتى لو كانت اللغة التي يكتبون بها مختلفة. شخصيًا لا أجد فرقا بين الأدب الكردي في العراق والأدب العربي في العراق، لأنهما يعيشان المشكلات معًا، سواء كان منتجو هذه الثقافة في الداخل أم في الخارج. الفرق الذي أتعامل معه هو موقف نقدي بحت، فأجد ثمة فروقا بين نتاج أدباء الداخل وأدباء الخارج في الموضوعات وفي الأساليب وفي زوايا التناول. وهذه رؤية ثقافية نقدية بحت فرضتها الأمكنة على نتاجهم.
**ضفتا الثقافة العراقية:- ومن هنا أشير إلى أن للثقافة العراقية ضفتين، ليس الآن وإنما منذ أن بدأت تلك الثقافة تسهم في حركة تنوير المجتمع، فقد كانت الثقافة التركية والفارسية والإنكليزية والروسية معينا للثقافة العراقية في المائة والخمسين سنة الماضية، ومن قبلها كانت العصور العباسية حاضنة للثقافة اليونانية. وفي الأندلس تزاوجت الثقافة العربية والثقافة الأوروبية فأنتجتا فلسفة عريقة ومؤثرة، ما يزال ابن رشد لليوم علما عالميا. بل كانت هذه المصاهرة لغة وممارسة أدبية للعديد من مثقفي العراق، ولم نجد أحدًا يتحدث، يومذاك، عن وجود أدباء داخل وأدباء خارج. أمّا اليوم وبعد أن جاءت ويلات الحروب والتدمير على القوى الفاعلة اجتماعيا وسياسيا، اضطر الكثير من أدباء العراق، وعلى مختلف قومياتهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسية، لأن يهاجروا، وهناك شكلوا تجمعات ومؤسسات ثقافية، وأصدروا صحافة ومجلات، وشاركوا في مؤتمرات، وكتبوا بطريقة مختلفة أسلوبيا وفكرياً عما كتبه أدباء الداخل، فشكل هذا المنحى تعميقا للضفة الثقافية الأخرى التي تتشكل منها الثقافة العراقية، وهذا الذي حدث شكل صدمة للكثير من مؤسسات الأنظمة الشوفينية والإيديولوجية، فوجدوا أنفسهم، أن خطابهم الثقافي والسياسي كان قاصرًا عن إحداث أي تغيير جذري في الوضع العراقي. تاريخيا لا تسير الثقافة العراقية بضفة واحدة، ومن يعتقد بذلك فهو قصير النظر، دائما ثمة ضفتان لها، ومع الأسف نجد، في هذه المرحلة، ثمة من يؤكد نغمة العزل الشوفينية. ومرة أخرى نقول: ليس لضفتي الثقافة العراقية من داخل أو خارج وإن تغيرت أمكنتها، وتعددت مشاربها، وتنوعت مجاريها ومصباتها، فقد يجد تيار الثقافة العراقية، في مراحل معينة، تغيرات في مجراه ومصباته، وهذا شيء طبيعي لثقافة ليست من جذر واحد، ولا من مصدر معرفي واحد، ولكن بعموم تعرجات المجرى وتحولاته، تتشكل الثقافة العراقية من إنتاج أدبائها حتى لو كانوا في أمكنة مختلفة. ثم إن المثقفين العراقيين لم يكونوا يوما سجناء أرض معينة أو مدينة معينة، بل كانوا طلقاء يسافرون ويسكنون وينتجون ولا أحد يقول عنهم أنهم مهاجرون أو غرباء إلا في هذه المرحلة! ما يهمنا الآن أن لا نعمق الهوة بين ضفتي الثقافة العراقية، وعلى الدولة ومؤسساتها، التي تعنى بالثقافة العراقية، أن تتنبه الى مخاطر مثل هذا التقسيم الطائفي، وعليها أن تشمل أدباء الخارج برعايتها وتعوضهم ليس عما يعيشون في ظله هناك من أمان وحرية قول وممارسة ثقافية مفتوحة وفقر وعوز، بل أن تجد لهم مجالا في العراق يُغنون به تجربة الثقافة العراقية التي هي في أمس الحاجة الى كل عناصرها ورجالها. هذه النغمة النشاز، التي نسمعها من بعض السياسيين والصحفيين، لا سيما الذين تمسكوا بعتبات الوظيفة والصحافة والنشر، ينبغي أنْ تقبر في مهدها، وأن تؤسس ضدها كتائب لحماية الثقافة من التشرذم والضياع، قبل حماية المثقفين وحقوقهم وأسرهم ومستقبلهم. **سفن الخارج إلى الداخل:- في ثقافة الشعوب المختلفة ثمة من يدعم التنوع والانتشار؛ الثقافة الأفغانية والإيرانية والصينية وغيرها تجد في ثقافة المهاجرين تعميقا لها، إلا نحن. ولو درست ظاهرة وجود هذا العدد الكبير من المثقفين العراقيين في الخارج، وما أنتجوه سياسيا وثقافيا وعمليا، عبر سنوات وجودهم العجاف، لوجدتهم قد عمقوا إحساس الجاليات العراقية المغتربة بالوطن، كما أسهموا بطرق مختلفة في إيصال صوت العراق خلال الفترة المظلمة السابقة لقطاعات كبيرة وواسعة من مثقفي العالم. فقد أقمنا مؤسسات وأصدرنا صحفاً ومجلات، وعقدنا ندوات ومؤتمرات، لشرح أبعاد القضية العراقية، وقدمنا للجمهور الأوروبي أفلامًا وثائقية وروائية، ومحاضرين، وكتبًا، ومنشورات، وفعاليات موسيقية وأدبية وفنية، ومعارض تشكيلية الخ... عن القضية العراقية ووثقنا بصور ومدونات نضالات العراقيين في الداخل يعجز من هم في الخارج على القيام بها، كما تعجز مؤسسات الدولة الحالية القيام بها أيضاً، وحين أتحدث عن نفسي، وما قامت به مؤسسة أكد في هولندا، فإنما أتحدث عن مئات المثقفين العراقيين في الخارج الذين قاموا بنشر الثقافة العراقية والقضية العراقية بطرق تفوق بمئات المرات مما قام به السياسيون، ومن بعضهم في السلطة الآن. فهل لنشاط هؤلاء المثقفين ضفة أخرى يركنون إليها سفنهم؟ أو سماء أخرى بديلة عن سمائهم الأولى!! اعتقد أن نشاطهم هو الضفة الثانية لمجرى الثقافة الوطنية العريق.
|
|
|
 |
|
| |
|