ما بعد اتفاق نصر الله
التاريخ: Monday, September 11
اسم الصفحة: وجهات في النظر


سليم سوزة .. يفاوض زعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله داعش في لبنان، في حين نغرق نحن في العراق في سجال عقيم حول أهمية هذه الخطوة من عدمها. باعتقادي، المشكلة ليست في التفاوض لأنها بالنهاية قضية سياسية يقدّم فيها رجل سياسي مصلحة حزبه وبلده ومحوره الأقليمي السياسي على أي شيء آخر ، المشكلة في نصرالله ذاته. فالكارهون له سيجدون ألف سبب لتخطئة خطوته هذه، فيما سيقتل محبوه أنفسهم للدفاع عنها، ووسط هذا السجال العقيم تضيع فرصة مهمة لفهم هذا الحدث وتحليله ضمن سياق المصالح والمصالح المتبادلة. لم يكن حزب الله ليفاوض داعش من أجل استرداد عدد قليل من أسراه أو قتلاه، كما فهم بعض المراقبين ليعيّروه بها ، وإنما كان هدفه إخراج مسلحي داعش من الأراضي اللبنانية بأيّ ثمن ، والدفع بهم الى الحدود الشرقية السورية. وتلك لعمري مصلحة كبيرة للحزب طالما استنزف مقاتلو نصرالله الكثير من قواهم ومواردهم في مواجهة داعش طوال الثلاث سنوات الأخيرة. ثم أن الحزب دفع بمقاتلي داعش الى منطقة دير الزور السورية ، وهي منطقة يسيطر على أجوائها الطيران الأمريكي. هو بهذا يشغل عدواً بعدوٍ آخر ليس إلّا. ليست هذه الخطوة في صالح العراق قطعاً لأنها جلبت إمداداً جديداً لداعش المختنقة أصلاً في العراق، ومن حق العراقيين ان تكون لهم ردة فعلهم العنيفة ضدها، خصوصاً أن من صنع هذا الاتفاق كان قبل سنتين يرفضها من العراق ويطلب ألّا تُفتَح ممرات آمنة للداعشيين أن يهربوا لسوريا. كان يريد قتلهم وسحقهم داخل الأراضي العراقية نفسها. في سجال المؤيدين والرافضين، تغيب حقيقة المصالح هنا، وهي أن السياسة لعبة مصالحية قد يستفيد طرف من حدثٍ ما أو صفقة معينة فيما يتضرر طرفٌ آخر أحياناً. هذا أمر منطقي. ما ليس بمنطقي، خروج هذا السجال من دائرة المصالح الى دائرة الأخلاق، فالفريقان يناقشان الحدث نقاشاً أخلاقياً وليس سياسياً. فريق يعيب على الاتفاق بوصفه اتفاقاً غير أخلاقي، طالما فعل نصرالله اليوم ما كان يرفضه على العراقيين بالأمس ، والفريق الآخر يبرر أخلاقياً لهذا الاتفاق بكونه لم يجلب مقاتلي داعش الى الأراضي العراقية وإنما داخل سوريا حتى الآن. وبين ثنايا هذا السجال، تستخدم كل أسلحة الخلط والمقارنات المغلوطة فينتقي كل من الفريقين بعناية تامة أحداثاً ومواقف حدثت سابقاً ليقوي بها موقفه، ذلك الموقف الذي لا علاقة له بالحدث بشكل مباشر وإنما بالموقف الأيديولوجي الذي يحمله كل منهما تجاه الآخر. هو سجال إيديولوجي بحت، وليس نقاش عرسال سوى تمظهر من تمظهراته اللغوية. ليس علينا تقييم الاتفاق أخلاقياً ، فلا حاكمية للأخلاق على السياسة. المصلحة هي أهم محرك من محركات السياسة، وما دام قد رأى نصرالله أن هذا الاتفاق لمصلحة بلده، علينا إرجاع الجدل لسياقه السياسي وتقييمه وفقاً لمصلحة العراق، وأي تقييم أخلاقي للحدث سيكشف لنا اللّامفكر فيه في اعتقاد المرء ، وهو أنه لم يكن يوماً ينظر لنصرالله أنه سياسي ليحلّل مواقفه وسلوكياته وقراراته، وإنما "معصوم" تحرّكه قوة ملهمة خفية مهمتها أخلاقية قبل أن تكون سياسية مصلحية، وبهذا يُصدَم كيف لهذا "المعصوم" أن يتفق هنا ويرفض هناك!

الصدمة أشد حين نتعرف على موقف الفريق المؤيد لاتفاق عرسال، هذا الفريق الذي استنفد كل أسلحته الإيديولوجية لمواجهة الفريق الأول، صار يهوّن عدد مقاتلي داعش المنقولين الى دير الزور ، يراها مناسبة غير بريئة للهجوم على حزب الله، بل يتهم ويشتم ويطعن في ولاء الفريق الأول، إنهم مجموعة عملاء لإسرائيل وأمريكا. ليس هذا فحسب ، بل راهن على قلة الوعي وافترض غباء متابعيه حين صوّر اتفاق عرسال على أنه اتفاق سوري لبناني إيراني روسي أمريكي ، وإن كان حزب الله قد أخطأ في اتفاقه هذا ، فلِمَ لا تحاسبون أمريكا التي لم تقصف باصات الدواعش حتى دير الزور؟ هكذا يسأل المؤيدون المعارضين! في اليوم الثاني للاتفاق، قصفت الطائرات الأمريكية باصات الدواعش ليشكّل هذا القصف إحراجاً كبيراً لفريق المؤيدين كيف سيتخلّصوا من تبعات ما قالوه قبل يوم فقط. البكاء فقط ، البكاء على حال عوائل الدواعش ونسائهم وأطفالهم الذين لا ذنب لهم في كل هذه المعارك. كيف يقصفهم طيران التوحش الأمريكي بهذه القسوة! كان اصطفافاً واضحاً مع بيانات حزب الله ووزارة الخارجية الإيرانية التي أدانت القصف الأمريكي وتعطيل تقدم تلك الباصات لدير الزور السورية. ما بعد اتفاق نصر الله هو نفس ما قبله، ليس هناك جديد في موقف الفريقين المتصارعين إيديولوجياً ، فريق سيبقى يدافع عن حزب الله انطلاقاً من تبعيته لذات الفكرة والمعتقد الذي يعتقده حزب الله ، وآخر سيبقى يهاجم مواقف الحزب ، ليس لسببٍ ما سوى أنها مواقف حزب الله فقط. الملفت في هذا الصراع، أنه لم يعد صراعاً نمطياً بين شيعة مؤيدين لنصرالله وسنّة رافضين له، بل تحوّل الى صراع شيعي شيعي أيضاً. هناك مولود شيعي جديد بنزعة عراقوية حادة تتشكّل ملامحه ببطء نحو "عَرقَنة" التشيّع أمام محاولات أمميته. مولود لم يعد يهتم لهموم التشيّع خارج حدود بلده العراق وإنما يسعى "لتأميم التشيّع" وصناعة براند عراقي خاص يقدّم مصلحة العراق على مصالح الدول الأخرى، شيعية وغير شيعية".





هذا الخبر من موقع مرافىء
http://www.marafea.org