نتخلف عن الآخرين ونُبقي على الاغتصاب مباحاً قانوناً
التاريخ: Wednesday, August 23
اسم الصفحة: وجهات في النظر


هادي عزيز .. كثيرة هي النصوص القانونية المشرعنة للتمييز ضد المرأة والمبثوثة في الفروع المختلفة للقانون، وعلى وجه الخصوص تلك النصوص في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، المتميز بطغيان الرؤية الذكورية في استهداف المرأة، فمن تأديب الزوجة الذي يعده القانون حقاً للزوج وفعلاً مباحاً، إلى ما يُسمى بجرائم الشرف المعروفة بـ (غسل العار)، مروراً بمكافأة المغتصب بزواجه من المغتصبة بذريعة الستر وتجنب الفضيحة. ولم تشفع لنا كل التصديقات للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان للوقوف بوجه طغيان النصوص القانونية التي تشيرالى التمييز والعنف ضد المرأة. وإذا كان لنا في الماضي قصب السبق والريادة في سنّ العديد من القوانين المنحازة للإنسان، كقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وسواه من القوانين، الا أننا وجدنا أنفسنا الآن نتخلف عن العديد من الدول العربية كمصر والمغرب والأردن وأخرها لبنان، التي بادرت إلى عقاب المغتصب بالعقوبة التي يستحقها بموجب القانون، ولن تجد له المبرر القانوني للافلات من العقاب. لكن عندنا ما يزال السوط الذكوري المتمثل بالمادة 398 عقوبات مسلطاً على رؤوس ضحايا الاغتصاب نافذاً وفاعلاً ومحل تطبيق في محاكمنا كافة، ولم يرف للمشرع جفن أمام قسوة وظلم النص التالي: (إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب احدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المجني عليها أوقف تحريك الشكوى والتحقيق فيها والاجراءات الأخرى، وإذا كان قد صدر حكم في الدعوى أوقف تنفيذ الحكم وتستأنف اجراءات الدعوى أو التنفيذ حسب الأحوال إذا انتهى بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب متعلقة بخطأ الزوج أو سوء تصرفه وذلك قبل انقضاء ثلاث سنوات على وقف الاجراءات .. ) المادة 398 عقوبات. معلوم ان الفصل المشار اليه في النص هو الفصل الأول من الباب التاسع من قانون العقوبات والوارد تحت عنوان ( الاغتصاب واللواط وهتك العرض ). من هذه النصوص يتضح: أولاً – إذا حُكم على الجاني بالسجن المؤبد أو المؤقت أو الاعدام إذا اقترن الفعل بالظرف المشدد، (من الظروف المشددة اغتصاب القاصر)، فإن تنفيذ الحكم يوقف بالزواج الصحيح من المغتصبة. ثانياً – إذا كانت الدعوى في مرحلة التحقيق فأن تحريك الشكوى يوقف، وكذلك التحقيق وبقية الاجراءات المتعلقة به. ثالثاً – أن يبقى عقد الزواج مستمراً لثلاث سنوات يكون خلالها الجاني متمتعاً بوقف التنفيذ. وبعد انقضاء تلك المدة يستطيع الجاني أن يعنفها بشتى وسائل العنف أو يطردها من دار الزوجية أو يحرمها من النفقة أو يطلقها، وليس لها من مناص سوى الرجوع للأحكام العامة المتناولة لهذه المواضيع في قانون الأحوال الشخصية أو سواه من القوانين الأخرى. رابعاً – ان إرادة المشرع بزواج المغتصب من ضحيته يعني اضفاء الشرعية على فعل الاغتصاب، وبذلك فإن المشرع يعد فعل الاغتصاب غير مجرّم، أي أنه فعل مباح، وبذلك يخرج هذا الفعل من السياسة الجنائية أو سياسة التجريم في قانون العقوبات، وباختصار أنهم يعطون المبرر الشرعي للمغتصب للقيام بفعلته، ومكافأة له على انحرافه بتحريره وسجن الضحية بالزواج. خامساً – ان عقد الزواج من المغتصبة، يجعل الاغتصاب متكرراً، لأن كل العلاقات الجنسية اللاحقة بعد عقد الزواج هي أثر من أثار الاغتصاب الأول ونتيجة له، وبذك تكون الضحية حبيسة الاغتصاب لمدة الثلاث سنوات التي رسمها المشرع، إذ ان الوقائع تشير إلى ان الجاني سرعان ما يترك ضحيته لمجرد انقضاء السنوات تلك. سادساً – حالة الزواج من المغتصبة القاصر يعدم ركن الرضا في عقود الزواج، باعتبار ان عقد الزواج من العقود الرضائية لكونه إيجاب من طرف وقبول من الطرف الآخر (المادة الرابعة من قانون الأحوال الشخصية)، والقاصر غير متمتعة بالأهلية القانونية لابرام ذلك العقد لعلة القصر، وبذلك تُرتكب جريمة أخرى بحق الضحية المتمثلة في مواقعة قاصر، فضلاً عن جريمة الاغتصاب الأولى. سابعاً – ان زواج القاصر من مغتصبها يُعد مخالفاً لأحكام اتفاقية حقوق الطفل الموقع عليها من قبل العراق، التي اصبحت بموجب التصديق جزء من النسيج التشريعي العراقي، ولما تتضمنه من قواعد قانونية آمرة توجب حماية الطفل من فعل الاغتصاب والأفعال المماثلة. ثامناً – كثيرة هي التبريرات لعقد الزواج من المغتصبة، كالخوف من الفضيحة والعار ووجوب الستر والخجل ولزوم الصمت، وهذه أمور تتعلق بأسرة الضحية، وللذكور منهم على وجه التخصيص، أما المغتصبة (الضحية)، فلا أحد يلتفت إلى معاناتها ووضعها النفسي أو خصوصيتها أو الوضعية الدونية التي وجدت نفسها محشورة فيها، متروكة للقدر الذي يرسمه لها الآخرون. تاسعاً – لا أحد يعرف حجم المعاناة التي تمر بها الضحية، فيما لو تزوج زوجها عليها بزوجة أخرى، أو كانت لديه زوجة أخرى قبل حدوث فعل الاغتصاب، من خلال نظرة الزوجة الأخرى إلى الزوجة المغتصبة، أي أننا نحمّل الأخيرة الكثير من الأعباء النفسية والمعاناة من دون ذنب اقترفته أو نية زرعت أو ارادة انصرفت. عاشراً – المؤامرة الذكورية – التي تبدأ بالفاعل وما اقترفه من فعل بحق الضحية، ثم انحياز الرجل في السلطة التشريعية لتبرير فعل الفاعل بنصوص قانونية تستبيح الضحية وتشرعن لفعل الاغتصاب، يُضاف لهم الرجل من عائلة الضحية من أجل استحكام التضييق عليها وجعلها حبيسة للرؤية الذكورية بأذرعها المتنوعة. فالكل شركاء في انتهاك جسدها، والكل على وفق موروثهم يضعون البكارة أمانة لديها، لأنها بكارتهم ماداموا يمتلكون جسدها. حادي عشر – ان هذا النص الذي يبيح للفاعل فعلته يتناقض بشكلٍ واضح مع السياسات الجنائية التي تضعها الدول للتصدي للجريمة المتمثلة بالردع الخاص، أي أن يرتدع الفاعل من خلال العقوبة المفروضة عليه، فضلاً عن الردع العام، وهو ان يتخذ الآخرون من العقوبة التي وقعت بحق الفاعل درساً يتجنبوا الوقوع فيه.







هذا الخبر من موقع مرافىء
http://www.marafea.org