حين ضيع الوهم اخر فرصة لقاء مؤجل مع عزيز محمد
التاريخ: Wednesday, June 07
اسم الصفحة: وثائق وبيانات


فخري كريم .. الموت وحده يكشف معنى الوهم، ويُطيح بتشبّثاتنا الملتاعة بحثاً عن "نبتة" الخلود التي أسقطَنا كلكامش في حبائل وجودها و"أوهمنا " بأنه على مقربةٍ من مبتغاه، قبل أن يسقط هو نفسه في جُبِّ خيبته فيموت من دون أن يتعرّف على معنى الحياة التي كان يبحث لها عن خلودٍ عبثي. ومع ذلك ظلّ البشر يدورون مذّاك في متاهة كلكامش، ويتفنّنون في " تخليق" مشاتل لنبتة الخلود، ولن ينفضَّ عنهم وهم فجيعتهم سوى بالموت، بوصفه الحقيقة المطلقة العصيّة على الانكشاف ..! كنتُ أنا ضحيّة هذا الوهم، وأنا أراهن على أنّ عزيز محمد يمكن أن ينتظر يوماً آخر ريثما أتفرّغ للقائه المؤجّل : مجرّد يوم آخر، لا غير. لكنَّ عزيز محمد بدَّد وهمي ورحل في لحظة لم تكن أحفورات الموت قد بانت فوق جبينه أو تركت لها أثراً في محيّاه، ما يُنبئ باحتمال رحيلٍ مبكِّرٍ لم يستعدّ له هو نفسه. وهكذا هو الموت، نسغ الوجود والعدم، خبيئة المطلق وهو يتحدّى العقل البشري، ويجول حيثما يشاء وأنّى أراد، وكيفما قرّر..! لم يكذب عزيز محمد على نفسه. كان يعرف ماهو عليه، ويُفصح عن ذلك كلّما رأى في الإفصاح ما يشكّل مثلاً أو سياقاً يساعد في مواجهة تعثّرٍ أو تأكيدٍ لقيمٍ يريد لها أن تتسيَّد في صياغة نموذج لمراودة الحياة وهي تستشرف المستقبل. وقد ظلّ يردِّد أنه مدينٌ الى جذوره الطبقية المعدمة. يظل يحمل عبء حملٍ إنساني ثقيل تكبّدته أُمّه وهي تكدح لتُحسِن تربيته. لا تتردد في القيام بكل عمل شريف مهما كان ثقيلاً ليشبّ هو عن الطوق ويصبح رجلاً قبل أوانه ومن دون أن يعرف من الطفولة غير تسميتها المجرّدة، ثم ينغمر في رحاب جسارةٍ أكبر من سنّه، لكنها بمستوى وعيه المبكّر الذي اكتسبه من شقاء أمه وبيئتها الفقيرة المعدمة حيث مظاهر الاستغلال والعسف بكل ما تنطوي عليه من معنىً، وما تثيره من شجنٍ، وما تستثيره من طاقة على الرفض وقدرة على مواجهة الظلم والعزم على تغييره. صار عزيز محمد، ابن أمه، كتلة من التشبث بكل سبيلٍ يشكل أداة تغييرٍ يُعيد للناس الذين تربى وسط بيئتهم، حقّهم في حياة إنسانية يطبعها عدلٌ وإنصاف، لم تتكشف له أبعادها بعد، إذ كانت خليطاً من أفكار وتمنياتٍ تراود كل إنسان يواجه الظلم وهو في قاع المجتمع أو في حواشيه. لكنه سرعان ما ازداد وعياً، وهو يتعرّف على أبعاد أكثر إضاءة من مجرد مظاهر مظالم فردية وتجلياتٍ للظلم مبهمة، إذ تبيّن له وهو يخوض غمار العمل ويتعرف على جوانب أخرى أكثر شمولاً للظلم الاجتماعي والعسف السياسي، أنّ تلك المظاهر ليست سوى نتاج لنظام اجتماعي اقتصادي يُكرّس، بحكم طابعه الطبقي، كلّ مظهر للاستغلال والتعسف والتمييز، فيستغرقه التفكير ويسأل كلَّ مَن هم أقرب إليه، ويقرأ قدر مستطاعه ولم يكن قد تمكن من اجتياز الصفوف الابتدائية، ولم يتردد في البحث عن إجابات مِن الأكبر سنّاً حول الإشكالات التي كان يواجهها في فكّ ما يلتبس عليه من أفكار ومفاهيم وتفسيرات تبدو له أحياناً أعقد من الظاهرة نفسها. واهتدى أخيراً إلى فهمه الخاص لكل ما يحيط به وببيئته من أسباب الجور. وببساطة يافعٍ اكتسب أعمق معرفة بمدلولات ما هو فيه، من الحياة نفسها من دون حاجة لتعقيدات المفاهيم والتنظير، فأصبح شيوعياً ودخل دروب الشيوعية، وتوحَّد منذ اللحظات الاولى بلا تحفّظ في كيان الحزب. أصبح نزيل بيوتاته السريّة، في مطبعة الحزب ومحطات بريدهِ وحواضن كوادره القيادية. تعلم فيها الأمانة والالتزام والولاء المطلق. كانت تلك سمات الشيوعي في تلك المرحلة التاريخية المعمَّدة بأبلغ التضحيات ونكران الذات، والحُبلى بالوعود والآمال والتحديات والمرتجى من قلب الموازين وإعادة خلق القيم وإشاعة مبادئ العدالة الاجتماعية وحرية الضمير والمعتقد ونبذ كل ما يتعارض مع عالم ينفي الاستغلال والجور والتمييز. وكانت تلك مرحلة تسلّل الوعي منها إلى كل ميادين المجتمع والحياة السياسية.. الوعي بكل جديد يستنهض قوى التغيير ويكرّس في الضمير العام المبادئ النافية للظلم والاستغلال والعسف. انغمرَ عزيز محمد في النشاط الحزبي منذ لحظة انتمائه، من دون أن يلتفت لشأنٍ غير ما يُمليه عليه التزامه وواجبه الحزبي، لينتهي به المطاف في أواخر أربعينيات القرن الماضي الى السجن الملكي حيث أمضى فيه عقداً، وحرَّرته من أسواره ثورة ١٤ تموز عام ١٩٥٨. كان السجن، من دون أن يكون دخوله خياره الشخصي كما هو حال مجايليه ممن قادهم النضال وتحدياته الى المعتقلات والسجون، مدرسة التعلم والتكوين المعرفي والسياسي. وفيه انكبَّ عزيز على القراءة، وصار أسير الشغف بتعلم العربية وفهم مدلولاتها اللغوية. ولم تقتصر قراءاته على كتب السياسة، بل كانت الرواية والشعر وكتب السيرة تحتلّ الاولوية في اختياراته، ونهل من كنوزها باللغتين العربية والكردية. وظلّ حتى لحظاته الاخيرة يتعذّر أن يمرّ اليوم عليه من دون أن يكون الكتاب أنيسه، إذ نقل لرفيقه حيدر الذي لازمه من دون مفارقة، قبل ساعة من رحيله، أنه كان يتمنى أن يستطيع التحرّك لينتقل الى الكرسيّ ويقرأ! حال انعتاقه من السجن بعد ثورة تموز، انخرط في العمل القيادي الحزبي، وتنقّل في المهام والمواقع القيادية، وساهم في إعادة بناء التنظيمات الحزبية التي تعرضت للانقطاع والتصفيات من قبل طغمة البعث وحرسه القومي الإجرامية بعد انقلابه الدموي في ٨ شباط ١٩٦٣. وانتُخب في أجواء احتدام الصراع وغياب الرؤية وتُفكك التنظيمات الحزبية سكرتيراً للجنة المركزية للحزب، من دون أن يصوِّت هو لنفسه، مُردِّداً حتى بعد انتخابه بسنوات وكلما وجد ذلك ضرورياً، أنه لم يكن وليس الأكفأ بين رفاق القيادة. ويعرف مَن عمل معه في العمل القيادي، أنه كان يُعير اهتماماً استثنائياً للكفاءات في اللجنة المركزية والمكتب السياسي ويصطفيهم الى جانبه في بلورة المواقف والسياسات وإدارة العمل القيادي. ولم يكن ليتردّد في أن يكون بين هؤلاء مَن هم على خلافٍ فكري أو سياسي معه ، أو تقاطعٍ مع الاتجاه السائد في الحزب وقيادته. كانت مرونته في معالجة الخلافات بين العناصر القيادية والاتجاهات المتصارعة داخل الحزب موضع عدم رضاً وقبول، وخصوصاً حين كان الخلاف يتخذ منحىً متعارضاً مع الرأي العام في الحزب، وليس في قيادته فحسب. وقد لا يعرف الغالبية من الشيوعيين أنّ تلك المرونة والتسامح وغضّ الطرف أحياناً عن المخالفين أو المختلفين، لم تكن بمعزلٍ عن التجربة الحزبية المريرة التي عاشها وكوكبة من القياديين في السجن الذين كتبوا للقيادة وجهة نظرهم حول السياسة السائدة، من دون أن يُعبّروا أو يبشّروا بها علناً، فما كان من المسؤول الاول إلاّ أن يشطب عليهم بالجملة من دون مناقشة أو استيضاح، ودفعهم الى "العزل" في السجن! والغريب أنّ جميع مَن تمّ فصلهم أصبحوا قادة في الحزب، واستُشهد البعض منهم، وصار من اتخذ قرار طردهم ومعاناتهم خارج الحزب والبعض من حوارييه صاروا بحكم المرتدّين والخونة. . ظلّ عزيز محمد أسير هاجس القهر اللامبدئي حتى وهو في فراش المرض وسكرات الموت، إذ لم يرفض مكالمة من لم يتركوا وسيلة للنيل من الحزب ومنه شخصياً، ولم يتعفف بعضهم من وضع نفسه تحت تصرّف السفارات العراقية، واختار آخرون الافتراء عليه. وقد تكّون عزيز محمد، بطبيعته المحافظة، في بيئة انكساراتٍ وتراجعاتٍ وأخطاءٍ وصراعاتٍ عصفت بالحزب، وفي أجواء سادتها أحيانا غير قليلة معايير لا مبدئية، وانحيازات ذاتية منفعلة، وتنافس غاب عنه في لحظات فارقة التوقف عندما يفيد أو يُلحق أفدح الأضرار بوجود الحزب والحفاظ على سلامته، بل وبالمصالح الوطنية العليا، وهو ما يُلقي الأضواء على مراحل مختلفة من تصدّره العمل القيادي. لكنّ عزيز محمد، رغم كلّ ما يُقال أو يُنسب له من أخطاء ومواقف مخلّة، لم يكن " فرديّاً " أو متسلّطاً إلّا بالقدر الذي يُتيح قدراً من ذلك، صمتَ مَن كان يعمل معه ، أو تجنّب اتخاذ مواقف واضحة من قبلهم في المنعطفات أو الصراع المنفلت. وهو بطبيعته كان يركن إلى مَن يرى فيهم الكفاءة والرأي والخبرة لإنضاج التوجّه والموقف. وتتضح هذه الطبيعة التي قد يرى فيها البعض نزوعاً سلبياً وضعفاً، في اجتماعات اللجنة المركزية، حيث يتردد في بلورة تلخيصٍ لما دار فيه، تاركاً تحديد ذلك لوجهة الآراء المطروحة، وما تنتهي إليه الأكثرية من مواقف وآراء وتوجهات. بقي عزيز حتى اللحظة الاخيرة مشدوداً الى ما اعتبره من دون تردّد قضية حياته، ومحور قضيته وأداة إنجاز ما كان يطمح ليتحقق في الحياة، ما جسده الحزب. وإذ تخلى عن المسؤولية القيادية، لا تهرُّباً وإنما رغبة في ضخ دماء جديدة قد تستطيع التفاعل مع التطورات العاصفة التي غيرت العالم، وتجديد الحزب والارتقاء بوسائله وأدواته وأساليبه وبُناه للتناغم مع ما يجعل منه قوةً محركة خلّاقةً لبناء عراقٍ ديمقراطي تسوده العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي. رحل عزيز محمد قبل أن أخوض معه آخر جولة من حوارٍ في قضايا ومواقف، أردتُّ أن يقول كلمته الاخيرة فيها لعلّها تُعيد النظر في ما استقرّ في ذاكرتي مِن تقييمٍ حول أحداثٍ عاصفة ومواقف مُربكة. أكتب عن عزيز محمد، وأنا أُقرُّ بتميّزه عن كثيرين من مجايلينا. كان صديقاً لا يخدش صداقته الخلاف والاختلاف في الفكر والتقييم والمواقف. مرّت سنوات كنّا نبدو فيها كما لو أننا على رأي واحد، رغم أننا لم نكن كذلك . وعصفت بنا في سنوات أخرى تصدعاتٍ في المواقف، لكننا ظللنا على ولاءٍ لا تخمد جذوته لصداقة تعمّدت بالوفاء للامل والقضية التي ظلت عميقة الجذور. ربما يعود ذلك الى أننا كنّا من منبتٍ واحدٍ وعلى مرتجىً أن لا نرى أُمّاً تكدح كسيرة الخاطر، وأباً تقوّس ظهرُه وهو يلتقط رزق أسرته. لكنه مرتجىً ظل وربما سيظل مؤجّلاً إلى حين . فالأمهات الكسيرات يملأن دنيانا بالاحزان والشجن، والآباء المنكسرة ظهورهم، والملبّدة وجوههم لا يلتقطون رزق أُسرهم إلّا بين أشلاء الضحايا خاصّتهم، ومنهم من يلتقطها بعيداً عن الانظار في فضلات أوباش النظام .. الآن فقط، أبكيك صديقي عزيز، وأغفر لك خطيئة الرحيل من دون وداع .. الآن أبكي قصورنا وخيبتنا إذ لم نبنِ جنّة الفقراء في الأرض ... ليتك انتظرتَ يوماً واحداً لا غير. أكان ذلك كثيراً عليك، أم أنه الوهم الذي يظلّ يرافقنا حتى اللحظة الأبدية ..؟!







هذا الخبر من موقع مرافىء
http://www.marafea.org